أحمد الجار الله يكتب: شرم الشيخ...الامتحان الكبير

جولة عربية

الاثنين, 16 مارس 2015 09:18
أحمد الجار الله يكتب: شرم الشيخ...الامتحان الكبير

ما تحقق في مؤتمر مستقبل مصر الاقتصادي, أثبت للجميع ان هذه الدولة العربية الكبيرة لا تزال, رغم كل ما تشهده المنطقة من أحداث أمنية ومتغيرات سياسية كبيرة, مصدر اطمئنان للعالم حيال إمكان تجاوز العرب أزمتهم الحالية وإيجاد محيط تنموي جديد يكون بداية لشراكات اقتصادية كبيرة مستقبلا, اذا وضعت التعهدات والوعود التي قطعت لمصر موضع التنفيذ.

هذا في الجانب الاقليمي والدولي, أما على الصعيد الداخلي فيسجل للحكم الجديد بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي,أنه دخل الى المؤتمر من بوابة قانون الاستثمار الموحد والاجراءات المتخذة قبل ان يجتمع نحو نصف العالم في شرم الشيخ, معيدا الثقة بمصر واقتصادها, وبالتالي فان ما تحقق من نجاح في المؤتمر يضع, ومنذ اليوم, المؤسسات كافة أمام تحدي تحويل الاقوال الى أفعال, اذ من غير المقبول مصريا, وعربيا, ان تغرق الحكومة في السبات مجددا وتحلم بأن السماء ستمطر أموالا على أم الدنيا.
الجميع يدرك ان النهضة المصرية في بدايات القرن الماضي قامت على سلسلة مبادرات شخصية وطنية جعلت الحكومة, آنذاك, تقرض المملكة المتحدة التي كانت لا تزال امبراطورية, ولذلك يمكن لنتائج المؤتمر الاقتصادي ان تحول مصر قاعدة اقتصادية عربية كبيرة, وتستقطب استثمارات بنحو 200 مليار دولار, اذا استفادت الحكومة من الفرصة التاريخية, وبدأت العمل على تذليل العقبات التي تعترض المستثمرين.
لا شك ان قانون الاستثمار الموحد خطوة أولى في طريق الالف ميل, وهو لا يمكن ان يخدم الاقتصاد اذا لم

يتحول شرارة في غابة القوانين الاخرى المعرقلة للاستثمارات, وهي للاسف, باتت راسخة في الذهن الاداري والشعبي لأنها لم تتغير منذ مطالع القرن الماضي, وأضيفت إليها أخرى أقرت في عهد التأميم وأغلقت أبواب مصر بوجه المستثمرين, وزيدت عليها قوانين أقرت على عجل, او من دون دراسة وافية في العقود القليلة الماضية, وكلها تشكل عقبات كبيرة أمام تنفيذ القانون الجديد الذي اعتبرته كل الدوائر الاقتصادية, الاقليمية والدولية, بارقة أمل للمستثمرين.
أيضا ما تحتاجه مصر في هذه المرحلة, محاكم تجارية وقضاة يتفرغون لحل التناقضات بين القوانين المعمول بها حاليا كي يذللوا العقبات أمام المستثمرين, بالاضافة الى ورشة مصالحات قانونية بين الشركات الاجنبية عموما, والخليجية تحديدا, وبين الحكومة المصرية جراء ما تسببت به المرحلة الماضية من خلافات ساهمت في تغيير النظرة الى مصر, وجعلت الجميع يعتقد أنها دخلت مرحلة انغلاق على ذاتها لا تختلف كثيرا عما كان عليه الاتحاد السوفياتي السابق, خصوصا المشكلات التي تسبب بها حكم "مكتب الارشاد", إذ في عام واحد شهد العالم اجمع طردا ممنهجا للمستثمرين ولرؤوس الاموال, وهجمة "إخوانية" على مقدرات البلد كادت تغرقه في مستنقع الافلاس.
لهذا كله, المطلوب اليوم من الرئيس المشير عبدالفتاح السيسي ان تصل ثورته الى
اجتثاث غابة قوانين وقرارات أفقدت الثقة بمصر وقد أعادها اليها هذا المؤتمر الذي ساهم بالاعداد له كل من وزير المالية السعودي ابراهيم العساف, ووزير الدولة الاماراتي ناصر الجابر لادراك كل دول "مجلس التعاون" الخليجي ان مصر المستقرة والمتعافية اقتصاديا تشكل قاعدة اساسية لاستقرار المنطقة ككل.
كذلك حتى يتحقق ماقاله الرئيس السيسي عن السعي الى خفض البطالة لعشرة في المئة, وتحقيق نمو بنسبة 6 في المئة, لا بد من حل المشكلات الثانوية العالقة بين آلاف المصانع والشركات وعمالها, او مؤسسات الدولة خصوصا, ومعالجة آثار القرارات الوزارية التي تشبه الحرب بين أعضاء الحكومة الواحدة, ففي حين هذا  الوزير يسهل أمرا, نرى وزيرا آخر يعرقله, وكأن ما يجري هو صراع بين الناسخ والمنسوخ, وهذه بحد ذاتها احدى اكبر العقبات أمام النهوض بالاقتصاد.
واذا كان التاريخ يشهد للرئيس الاميركي الراحل ابراهام لنكولن أنه وضع أسس تطور الولايات المتحدة باقراره قانون تحرير العبيد, لأنه أدخل بذلك بلاده أبهى عصورها, فالأمر نفسه ينطبق على الجنرال شارل ديغول الذي أرسى دعائم الجمهورية الخامسة بعد الحرب العالمية الثانية, وجعل المؤسسات الدستورية ورشة عمل لتحديث القوانين, ما أدى الى محافظة فرنسا على امتيازها كواحدة من القوى العظمى في العصر الحديث, أضف الى ذلك المثال المصري الذي أشرنا اليه آنفا عن المبادرات الفردية التي اقترنت بقرارات تاريخية اتخذتها القيادة المصرية أوائل القرن الماضي.
لذا الفرصة متاحة للرئيس عبدالفتاح السيسي ان يتخذ القرارات التاريخية لاعادة الدور الاقتصادي لمصر الذي منه تستمد قوتها السياسية أيضا, وأن تواكبه الحكومة بالعمل الجاد.
اليوم, وبعد انتهاء المؤتمر وعودة الضيوف كل الى بلاده, نضع هذه الملاحظات بين أيدي القيادة المصرية, فمؤتمر شرم الشيخ ليس لحظة عابرة بل هو أعظم تظاهرة تأييد دولية اقتصادية لمصر منذ العام 1952, فلا تناموا على حرير عطاءاته.

أحمد الجارالله