رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د . رغيد الصلح يكتب : نحو قوة عربية مشتركة

جولة عربية

الجمعة, 13 مارس 2015 13:56
د . رغيد الصلح يكتب : نحو قوة عربية مشتركةرغيد الصلح

تشهد الساحة السياسية العربية حواراً مهماً حول التحالفات الضرورية لمواجهة التحديات المتراكمة التي تعاني منها المنطقة . يأتي الإرهاب الدولي في طليعة هذه التحديات .

وتمثل بعض الفصائل الإرهابية نموذجاً خاصاً وفريداً من نوعه بحيث يمكن تصنيفه كنوع "مختلف" من الإرهاب الذي عرفه المجتمع البشري خلال العقود المنصرمة . وسواء كان الحوار متعلقاً بهذا النوع الأخير من الإرهاب أو عن الإرهاب بصورة عامة، فإن الحوارات لا تنحصر فيه فحسب، بل تشمل تحديات متنوعة ومن طراز مختلف . فهناك التحدي الإيراني الذي بدأ كظاهرة إيجابية عندما ظهر وكأنه محاولة لتحسين أحوال الإيرانيين، ولكنه تحول إلى مصدر للقلق عندما تحول إلى مشروع لخلق بؤر نفوذ إيراني إقليمي على حساب البلاد العربية . وهناك إلى جانب هذا وذاك، ظاهرة التآكل الداخلي والتشظي والتشطير التي تتعرض لها مجتمعات عربية متعددة، بحيث بات يشكل، مع الظواهر الأخرى، تحدياً وجودياً بالغ الخطورة .
ومن الطبيعي أن تبحث القيادات العربية عن السبل المناسبة للوقوف في وجه هذه التحديات . كذلك فإنه من المنطقي ومن المألوف أن تسعى هذه القيادات إلى بناء تحالفات بين ومع القوى المعنية بهذه التحديات . فأكثر دول المنطقة لا تملك، لوحدها وبصورة انفرادية الموارد البشرية والمادية والعسكرية لمواجهة هذه التحديات وتعطيل مفاعيلها وآثارها . وفي الآونة الأخيرة تلخصت المشاريع الإقليمية المقترحة في مضمار مكافحة هذه التحديات بمشروعين رئيسيين: الأول هو بناء تحالف إقليمي، يضم بعض الدول العربية وتركيا . الثاني، يضم دول المنطقة العربية، إما كلها، أو من يرغب منها في الانضمام إلى هذا المشروع المقترح . لكل من هذين المشروعين ميزاته وثغراته . ويمكن اكتشاف هذه المزايا والنقائص بسهولة عبر الحوارات الهادفة والهادئة وصولاً إلى الاتفاق على الخيار الأفضل بينهما . ولكن حيث إن المنطقة العربية تمر بأوضاع بعيدة عن الهدوء والاستقرار، وحيث إن للمشاريع الأمنية في الظروف الراهنة آثارها المباشرة في مصائر الألوف من البشر، فإن الحوار

حول المشروعين أخذ يتسم بنمط من الحدة المتصاعدة وغير المبررة . وتعود هذه الحدة، في تقديري، إلى أن التعليقات التي تناولت المشروعين جاءت في إطار سجالي تمحور حول سلبياتهما مع إغفال أو تجاهل فوائدهما وما يستندان إليهما من أسس وخلفيات .
فمشروع التحالف الإقليمي يستقطب تركيا وربما غيرها من الدول المجاورة للمنطقة العربية التي ترغب (الباكستان مثلاً)، انطلاقاً من حوافز دفاعية، في الانضمام إلى هذا التحالف المنشود . وحتى ولو اقتصرت المشاركة غير العربية في هذا التحالف على تركيا وحدها، فإن هذه المشاركة سوف تعزز القوى المناهضة للتحديات التي تواجه المنطقة . فتركيا بلد قوي يملك جيشاً هو من أقوى الجيوش في المنطقة يبلغ تعداد المجندين فيه ما يفوق النصف مليون شخص ويصل عدد جنود الاحتياط فيه إلى ما يتجاوز 370 ألف جندي . وتمتلك القوات المسلحة التركية تجربة في الحروب ضد الجماعات المسلحة مثل حزب العمال الكردستاني . وبالرغم من أن تركيا لم تسجل انتصاراً ساحقاً ونهائياً في هذه الحرب، فإنه لا يمكن التقليل من أهمية الخبرة التي اكتسبتها فيها . فضلاً عن ذلك، فإن تركيا بفضل اقتصادها النامي سوف تكون قادرة على تحمل أعباء الحرب والعمل ضد التحديات المحدقة بالمنطقة .
ومن ميزات الصراع المشترك بين العرب والأتراك ضد الإرهاب، أنه سوف يرسخ الموقف المشترك الذي يتخذه الطرفان ضد الطموحات الإقليمية غير المشروعة والعدوانية التي تمثل "إسرائيل" نموذجها الأكبر .
مقابل أو في الحقيقة، في موازاة التحالف الإقليمي، فإن لمشروع القوات العربية المشتركة العديد من المزايا والفوائد . فمن ميزات المشروع العربي أنه يسهم في وضع حد للعامل الرئيسي الذي يقف وراء تحدي الفراغ الأمني والسياسي
والمجتمعي الذي تعانيه المنطقة . إن هذا الفراغ، الذي استفحل أمره بعد الحرب على العراق وبعد حل الجيش العراقي، هو الذي أثار شهية الأطراف الخارجية على بسط نفوذها على المنطقة . وهو العامل الأهم الذي سوف يثير شهية أنقرة إلى منافسة طهران على تزعم المنطقة . هذا الفراغ هو الابن الشرعي لنهج إضعاف النظام الإقليمي العربي، وليس العكس .
وحتى تملأ الدول العربية هذا الفراغ، فإنها تحتاج إلى إنهاض النظام الإقليمي العربي، وإلى إعادة الحياة والحيوية إليه . وعندما تتجه دول عربية إلى تحقيق هذه الغاية فليس لها أن تخشى من هذا النظام ومن التفاهمات العربية . لقد عمل هذا النظام في أغلب الأزمنة حارساً لهذه الدول وليس كخطر عليها . ومن سمات هذا النظام الذي تجعله جديراً بتطمين النخب النافذة العربية أنه تحالف بين دول متقاربة في القوة والمكانة . فما من دولة من دول النظام الإقليمي العربي قادرة على بسط نفوذها على الأعضاء الآخرين وعلى جرّ دوله إلى مواقف تعرضها للأخطار الشديدة، كما كان هو حال الولايات المتحدة في منظمة الدول الأمريكية أو في "الناتو"، أو كما كان دور الاتحاد السوفييتي في حلف وارسو . وقد تستطيع دولة عربية أن تصل إلى قمة الهرم في هذا النظام، ولكنها سوف تكون أولى بين متساوين ولن تكون "القوة الإقليمية العظمى والوحيدة" .
استناداً إلى صورة العلاقات العربية والإقليمية هذه، فإنه من المأمول أن تتجه القمة العربية المتوقعة خلال الأسابيع المقبلة إلى تبني مشروعين:
* الأول، هو مشروع تشكيل القوات العربية المشتركة وإعادة إحياء مجلس الدفاع العربي المشترك لكي يقدم إلى الحكومات العربية تقريراً متكاملاً، وخلال مدى زمني قصير حول المشروع .
* الثاني، مشروع بالعمل على تأسيس تحالف إقليمي مناهض للإرهاب الدولي يضم الدول العربية وتركيا ومن يرغب من دول الجوار .
في هذا السياق، فإنه من المستحسن أن ترجع الحكومات العربية إلى تجربة أكتوبر عام 1973 . فالقرار بإعلان المقاطعة النفطية اتخذ أول الأمر في داخل منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك)، ثم نقل من بعدها إلى منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) . لقد شكل هذا التسلسل ضمانة تنفيذ القرار وحسن الالتزام به، فحققت دول النفط واحداً من أهم انتصاراتها في التاريخ . المتوقع أن يكون للعمل وفقاً لهذا التسلسل اليوم وعلى صعيد حماية الأمن الإقليمي والعربي نتائج مهمة لا تقل عن أهمية معركة تحرير النفط عام 1973 .
نقلا عن صحيفة الخليج