رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبدالرحمن التويجري يكتب : الإصلاح الاقتصادي ... جهود مستمرة

جولة عربية

الأحد, 08 مارس 2015 15:24
عبدالرحمن التويجري يكتب : الإصلاح الاقتصادي ... جهود مستمرةعبدالرحمن التويجري

نحتاج في هذه المرحلة المهمة والانتقالية من عمر السعودية إلى برنامج إصلاح اقتصادي شامل يستكمل ما جرى إنجازه في السنوات الماضية وينقل الاقتصاد الوطني إلى آفاق جديدة من النمو والازدهار. فالإصلاح الاقتصادي عملية مستمرة وليس مجرد نتيجة لإجراء واحد في لحظة زمنية معينة، بل هو مجموعة سياسات وإجراءات لتطبيق استراتيجية محددة لكل مرحلة زمنية من ضمن متطلبات وأهداف تسعى الحكومة إلى تحقيقها في تلك المرحلة.

وتهدف عادةً مجموعة السياسات إلى زيادة الفاعلية الاقتصادية وتحسينها سواءً لقطاع معين من الاقتصاد أو الاقتصاد الوطني ككل، وذلك بتعديل سياسات محددة مثل الضرائب وسياسات المنافسة والتخصيص والمالية العامة لتعزيز فاعلية الاقتصاد الوطني وجدارته وزيادة إنتاجيته والتخلص من عوائق تقلص المنافسة وتحول دون توظيف مثالي للموارد.

وتلجأ دول نامية كثيرة إلى مؤسسات الإقراض الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتمويل برامج الإصلاح الاقتصادي لعدم قدرة هذه الدول على الحصول على التمويل من جهات أخرى، فتفرض هذه المؤسسات على الدول المقترضة اتخاذ إجراءات قد تكون قاسية وتؤثر في رفاهية المواطن.

وتطبق بعض دول العالم برامج إصلاح اقتصادي بعد مرورها بأزمات مالية، أو عندما تجد أن مسار البلد الاقتصادي سلك وجهة غير مرغوبة قد تؤدي إلى نشوء أزمة اقتصادية تتفاقم معها المشاكل، مثل التضخم والبطالة. وهناك أمثلة كثيرة على دول اعتمدت برامج إصلاحات اقتصادية غيرت تماماً من التوجه الذي كان يسير عليه اقتصاد ذلك البلد، منها ما قامت به رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاتشر بين 1979 و1990، إذ اتبعت سياسات اقتصادية محافظة قوامها إزالة كثير من القيود التنظيمية وتطبيق برنامج طموح للتخصيص

مع مرونة في أنظمة سوق العمل حدت في شكل كبير من نفوذ النقابات العمالية ومنحت الإدارات المحلية مزيداً من سلطات اتخاذ القرار.

وكان طبيعياً أن تواجه ثاتشر معارضة شديدة ممن تأثرت مصالحهم، فنفذت النقابات العمالية إضرابات كثيرة، لكن ذلك لم يفت من عزيمتها بل استمرت في تطبيق برنامجها الإصلاحي الذي أدى إلى تحقيق نقلة كبيرة للاقتصاد البريطاني، فتحسن أداؤه وارتفع معدل النمو وانخفضت البطالة.

وفيما كانت ثاتشر تصارع لتطبيق برنامجها الاقتصادي، كان اقتصاد الولايات المتحدة في نهاية السبعينات يعاني عدداً كبيراً من المشاكل، من أهمها زيادة معدلات البطالة وارتفاع التضخم، ما جعل الحكومة الأميركية وقتها تتبنى إجراءات من ضمنها وضع قيود على أسعار الوقود، ورفع أسعار الفائدة إلى معدلات عالية، لكن هذه التدابير لم تؤد الغرض.

وجاء الرئيس رونالد ريغان بداية الثمانينات ليعيد صياغة السياسة الاقتصادية ويطبق برنامج إصلاح اقتصادي مغاير تماماً لما كانت عليه السياسة الاقتصادية القائمة في ذلك الوقت. وقام برنامج ريغان على أربعة محاور هي تقليص الأنفاق الحكومي وخفض معدلات الضرائب وإزالة بعض القيود التنظيمية والحد من عرض النقود لمحاربة التضخم، وعُدّ برنامجه عودة إلى مبادئ الاقتصاد الحر، وطبقه بحزم على رغم المعارضة، فاستطاع أن يُخرج اقتصاد الولايات المتحدة من أزمته، فنما الاقتصاد وانخفضت معدلات البطالة والتضخم. وكان البرنامج قاسياً على بعض فئات المجتمع الأميركي لكنه في النهاية حقق نتائج

مرضية للغالبية.

وتتعدد تجارب الإصلاح الاقتصادي في العالم التي نقلت بلداناً عديدة إلى مراحل متقدمة من النمو والتطور الاقتصادي. ففي الشرق تبرز بلدان الصين وكوريا وماليزيا وسنغافورة التي حققت تطوراً مذهلاً خلال العقود الثلاثة الماضية بعد تبنيها لبرامج إصلاح مختلفة تتناسب مع حاجة كل دولة وظروفها.

أما في السعودية، وفي كل مرحلة تاريخية مرت بها، طُبقت برامج إصلاح وتطور اقتصادي تتلاءم مع الحاجة والوضع الاقتصادي الذي كان سائداً في المملكة في ذلك الوقت، فبدأت الدولة بوضع برامج لاستغلال الموارد الطبيعية واكتشاف النفط وتعزيز الاستفادة منه وإقامة البنية الأساسية وإصلاح الإدارة وتنمية الموارد البشرية، وكذلك إقامة المدن الصناعية في الجبيل وينبع للاستفادة من الغاز الطبيعي في تأسيس صناعات متطورة. ولم تتوقف جهود التطوير والإصلاح الاقتصادي مع ما مرت به الدولة أحياناً من ظروف اقتصادية مؤلمة عند انخفاض أسعار النفط وما يتبعه من انخفاض عائداته.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، أُنشِأ المجلس الاقتصادي الأعلى الذي كان الهدف منه الإسراع في تطوير برامج الإصلاح الاقتصادي في ذلك الوقت. وقام المجلس بجهود ملموسة أدت إلى إنشاء العديد من المؤسسات الجديدة لتنظيم العمل الاقتصادي، وتبني كثير من الأنظمة الجديدة، وتحديث بعض الأنظمة القديمة ووضع برنامج للتخصيص.

وحققت الجهود التي بُذلت لتطوير وإصلاح الاقتصاد السعودي كثيراً من الأهداف لكن عملاً كثيراً لا يزال مطلوباً. فالعمل الذي أُنجز على مدى عقود يجب أن يستمر وأن لا يتوقف عند زمن معين، فكل مرحلة لها ظروفها ومتطلباتها والأساليب المناسبة لها. ولا بد أحياناً من اتخاذ قرارات صعبة وغير شعبية أو مقبولة من أصحاب المصالح الذين يفضلون استمرار الوضع القائم ويحاربون التغيير.

ويدخل الوطن هذه الأيام مرحلة جديدة متغيرة ناشطة الأداء، لكنها في الوقت نفسه تتسم بانخفاض حاد في الموارد النفطية نتيجة لتراجع أسعار النفط، ما يتطلب النظر في موضوع التطوير والإصلاح الاقتصادي في إطار أهداف متوسطة وطويلة الأمد، وليس آنية يراد بها تعزيز الشعبية التي قد تكون أحياناً هدفاً مع انتشار وسائل التواصل الحديثة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط