رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبدالعزيز التويجري يكتب : أسئلة محيرة تطرحها أحداث ليبيا

جولة عربية

الجمعة, 27 فبراير 2015 15:21
عبدالعزيز التويجري  يكتب : أسئلة محيرة تطرحها أحداث ليبيا

لا بد أن يلفت النظر الظهورُ المفاجئ لتنظيم ما يسمى «الدولة الإسلامية» في ليبيا، في سياق ما يجري في هذه الدولة التي يبدو أنها دخلت نادي الدول المفلسة،

أو على الأقل المرشحة للإفلاس قريباً. فكيف يتم هذا التمدد الغريب لـ»داعش» في مناطق شتى من العالم العربي؟ هل هو انتقال تلقائي من موقع إلى آخر؟ أم انتقال مدبر وفقاً لتخطيط مسبق تقف وراءه قوى خفية؟ لقد جاء في الأخبار أن تنظيم داعش يتخذ من ست مدن ليبية قواعد له. وعندما قصفت الطائرات المصرية قواعد هذا التنظيم الإرهابي، علم أن الضربات الجوية استهدفت مخازن للأسلحة ومصادر للتموين ومواقع للرصد والتحكم والقيادة التي يستخدمها داعش، الأمر الذي يؤكد، وبما لا يرقى إليه الشك، أن المعلومات عن وجوده في ليبيا كانت متوافرة، وأنه لم يكن يعمل تحت الأرض. فهل يعني ذلك أن تأسيس الفرع الليبي لداعش تمَّ في ضوء الشمس وليس في جنح الظلام؟ إذا ثبت ذلك في شكل قاطع، فهذا يعني أن الخطر بات يهدد ليس ليبيا فحسب، ولا دول المنطقة فقط، بل العالم العربي كله مباشرةً. فهل يكون هذا التمدّد من فعل تنظيم إرهابي نشأ في ظل تدهور الأوضاع في العراق ثم سورية نتيجةً للسياسات الطائفية وللممارسات الاستبدادية التي أحالت هاتين الدولتين إلى مستنقعات آسنة موبوءة ظهر فيها داعش؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟
لا يعود انفجار الأوضاع في ليبيا إلى الجريمة البشعة لـ «داعش» بإعدامه واحداً وعشرين مواطناً مصرياً ساقتهم ظروفهم البائسة إلى الهجرة طلباً للرزق،

ولكن الانفجار يعود إلى أسباب موضوعية أخرى أدت إلى انهيار هذا البلد في ظروف بالغة السوء. كما يرجع انهيار الأوضاع إلى تخلي المجتمع الدولي عن ليبيا، بعدما تضافرت الإرادة الدولية بقرار من مجلس الأمن، لإسقاط النظام السابق، ما مهد السبيل لظهور الجماعات المتطرفة والفرق المسلحة. ولكن السؤال المحير هو الذي يدور حول الأسباب التي أدت بالعناصر الإرهابية من داعش إلى اختيار تلك المجموعة من المصريين البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة؟ ثم لماذا ألبسوهم ذلك اللباس البرتقالي وساقوهم إلى الشاطئ تحت أضواء الكاميرات في مشهد كل ما فيه يدل على الرغبة في الاستعراض السينمائي؟ أليس ذلك اللباس الذي يُكسى به كلّ من تقتله داعش ذبحاً أو حرقاً، يشبه اللباس الذي يرتديه معتقلو غوانتانامو؟ فأي معنى ودلالة للتشابه بين اللباسين؟ تلك أسئلة محيرة فعلاً، الجواب عنها يساعد على فهم ما يجري في هذه المرحلة الدقيقة. ولا يستقيم تحليل الوضع ما لم نعرف لماذا وكيف اختيرت تلك المجموعة من المصريين، ومن الأقباط تحديداً، من بين أكثر من مليون مصري يقيمون في ليبيا. فهل هي مصادفة عمياء؟، أم خطة مدبرة بليل أو بنهار؟ وهل اختيار الضحايا من الديانة المسيحية مقصودٌ لذاته، للنفخ في نيران الفتنة الدينية في مصر التي توجد مؤشرات كثير تؤكد أن ثمة
إصراراً على تأجيجها؟
إن الظهور المفاجئ لـ«داعش» في ليبيا المترنحة الآيلة للسقوط، يثير كثيراً من الأسئلة، كما تثير الأوضاع الخطيرة في العراق وسورية واليمن، أسئلة لا تنتهي، إقليمياً ودولياً، بما يحيّر المراقبين ويدفع إلى افتراض وجود مخطط ضد العرب والمسلمين عموماً، ويجعل ذلك أقرب إلى اليقين في عالم يضطرب فيه اليقين في السياسة الدولية، وتنفتح فيه أبواب الاحتمالات على مصاريعها. ونحن، ومن خلال التحليل والاستقراء، نميل إلى وجود هذا المخطط استناداً إلى ما يجري على الأرض من أحداث مروعة لا تزال تتفاقم على نحو تتعاظم معه الأزمات التي تهدد الأمن والسلم في المنطقة.
وإذا كان الأمر في هذا المستوى من الخطورة، والوضع العام في هذا القدر من الغموض، أفلا يكون من الأجدى للدول العربية، وبخاصة دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، اللجوء إلى طرق أكثر فعالية لحصر هذا الخطر في أضيق الحدود قبل اجتثاث جذوره وتطهير العالم العربي منه؟ لقد تأكد بصورة قاطعة أن شن الهجمات الجوية على داعش لا يحقق الهدف المطلوب. وقياساً على ذلك، فقصف فرعه الليبي بالطائرات، بغض النظر عن الدول التي تقوم به، لن يكون حاسماً في القضاء عليه. وهذا ما يدفع إلى تعزيز الرأي الذي يقول بضرورة التسوية بين الأطراف المتنازعة برعاية جامعة الدول العربية التي هي أولى بهذا العمل من الأمم المتحدة. فبمثل هذه التسوية تتم محاصرة الإرهاب والقضاء على عناصره في ليبيا، وفي غيرها من الدول التي نكبت به. والذين يرفضون التسوية السياسية، ويصرون على اللجوء إلى استخدام السلاح الجوي، يتجنبون الحكمة السياسية والحنكة العملية، ويدفعون الأمور إلى الأسوأ، كما هو حاصل في العراق وسورية.
إنّ الإرهاب الذي يعيث فساداً في عدد من الدول العربية والإسلامية، إرهابٌ مصنوعٌ لهدفٍ ازداد وضوحاً. ولكي نواجهه لا بد من استراتيجية محكمة وفعّالة تضع كلّ العوامل والفرضيات في حسبانها، وتعمل على ربط الأسباب بالمسببات، ولا تكتفي بقطع ذنب الحيّة فرأسها أخطر.

نقلا عن صحيفة الحياة