عاطف الغمري يكتب : المعايير المزدوجة في النظرة لمنظمات الإرهاب

جولة عربية

الأربعاء, 11 فبراير 2015 11:37
 عاطف الغمري يكتب :  المعايير المزدوجة في النظرة لمنظمات الإرهاب

بعد أن خفت نسبياً موجات الغضب العالمى، بسبب جرائم الإرهاب، التي دفعت قادة العالم، للحضور إلى فرنسا، لمسيرة جماعية ضد الإرهاب،

أخذت تظهر زوايا جديدة لهذه القضية، في سياق التحليلات والتساؤلات عن أسباب هذا التصاعد للعمليات الإرهابية . ومن بين هذه الملاحظات، أن الغرب اعتاد أن يركز نظره على أي جرائم إرهابية ترتكب داخل حدوده الوطنية، متجاهلاً جرائم من نفس النوع، ترتكب في دول ليست غربية . وأن هذه المعايير المزدوجة، كانت في مقدمة أسباب توسيع المنظمات الإرهابية لدائرة نشاطها، من قلب بلاد الآخرين، والتى اعتبرها الغرب بعيدة عنه، إلى الدول الغربية في أوروبا والولايات المتحدة، ذلك لأن الغرب كان قد غض النظر عن الإرهاب الذى يرتع في الدول العربية .
ومن بين الذين لاحظوا ذلك، رئيس الأساقفة الكاثوليك في نيجيريا، أغناتيوس كايجاما، تعليقاً على رد الفعل الغربي إزاء الهجمات الإرهابية في فرنسا، مقارنة بمثيلاتها في إفريقيا، والدول العربية، قائلاً: إن هناك فرقاً كبيراً . وإن رد الفعل الصامت، أو خفيض الصوت، جاء على هذا النحو من الغرب، تجاه سلسلة الهجمات الوحشية في إفريقيا والشرق الأوسط . ففي شمال نيجيريا قتل في الأسبوع الأول من يناير/كانون الثاني الماضى، ألفا شخص، ذبحتهم منظمة "بوكوحرام"، وفي اليمن قتل 37 شخصاً في هجوم إرهابي نفذه تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية، في نفس يوم الهجوم على جريدة "شارلي إيبدو" . ولم تلق هذه الأحداث، سوى أقل قدر من الاهتمام في أوروبا والولايات المتحدة .
صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، تنبهت إلى ذلك، وقالت في مقالها الافتتاحي،

إن الحكومات ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة، وأوروبا، تبدو غير مكترثة، للهجمات التي يسقط فيها ضحايا ليسوا غربيين في إفريقيا والدول العربية . وهذه المواقف لا تؤدي فقط إلى شعور بانعدام العدالة، تجاه إفريقيا والشرق الأوسط، لكنها تظهر تجاهلاً للكيفية التي استطاع بها التكفيريون إيجاد هذه الظاهرة العالمية .
لقد تميزت مواقف قادة الغرب باعتقاد بأنه يمكنهم التصدى لخطر الإرهابيين، بمجرد تشديد القيود على حدودهم الوطنية، واتخاذ إجراءات مشددة في مكافحة الإرهاب داخل بلادهم . وإذا كانت الولايات المتحدة، وحلفاؤها، قد تنبهوا أخيراً إلى حتمية مواجهة هذه التهديدات، بالوسائل العسكرية، وفي قلب ميدان نشاطها المحلى، فإن هذا التغيير لم يحدث إلا بعد أن تصاعدت خطورة تهديدات "داعش"، وعدم اقتصارها على ارتكاب جرائم داخل حدود الدول العربية، وإنما حين استهدفت "داعش" مواطني الدول الغربية، وصورتهم وهم يذبحون، كما استهدفت مصالح اقتصادية للدول الغربية في المنطقة .
لكن هذا التغيير ظل مفتقداً رؤية استراتيجية للقضاء على الإرهاب بمختلف أشكاله، لأنه ركز ضرباته على "داعش"، مضافاً إليها "جبهة النصرة" في سوريا، في حين أن أياً من هاتين المنظمتين، لا تمثل حلقة قائمة بذاتها، بل ضمن سلسلة تضم جميع المنظمات التي تبنت الإرهاب عقيدة لها، باعتبار ما هو معروف من أن المنظمات الإقليمية تعددت أسماؤها، هي في الأصل جزء من تنظيم "القاعدة"، وإن
ظل بعضها يربط نفسه بها، مثل "تنظيم "القاعدة في شمال إفريقيا"، و"القاعدة في شبه الجزيرة العربية" . كما أن "القاعدة" أصلاً، هي منتج من تنظيم الإخوان المسلمين .
كما لوحظ في سياق إعادة دراسة تطور الإرهاب ومنظماته في ذلك التقاعس، أو على أحسن الفروض، التباطؤ، في اتخاذ موقف حاسم، من توسع منظمات الإرهاب، في استخدام الإنترنت، وهو ما بدأته "القاعدة" في التسعينات . وعدم مبادرة القوى الكبرى في الغرب، بأي إجراءات لفرض قيود عليه، بخاصة بعد أن تحول إلى سلاح، تبث منه هذه المنظمات - من "القاعدة" و"داعش" - رسائلها لتجنيد التكفيريين، والدعاية المضللة للتنظيم، بحيث أصبح معروف أن الإرهابيين يتحركون على طول جبهة يطلق عليها الآن حرب الإعلام .
وكان الكاتب البريطاني جيمي بارتليف مؤلف كتاب النت الأسود (The dark net) مقارنة باسم "الصندوق الأسود"، وهو متخصص في ثقافة علم النت، ويدير مركز تحليل الميديا الاجتماعية في بريطانيا، قد ذكر أن مجموعة الباحثين الذين يترأسهم، استطاعت في أغسطس/آب الماضى رصد 80 ألف رسالة من تنظيم "داعش"، موجهة بالتحديد إلى الولايات المتحدة . وهذا يعني أن مسرح عمليات الإرهاب، قد اتسع عبر النت إلى أبعد الحدود .
والمؤكد أن الولايات المتحدة، قد أدركت أخيراً خطورة مساس الإرهاب مباشرة بمصالحها، وبدأت في إعادة نظر في الإجراءات، التي يلزم اتخاذها لمكافحته .
لكن يبقى من الأهمية القصوى، سد الفجوة القائمة بين التركيز على تنظيم أو اثنين، وبين حقيقة وجود علاقة بين مختلف منظمات الإرهاب، التي تضمنها جميعاً شبكة دولية واحدة، حتى وإن بقيت كل واحدة، مستقلة في عملياتها تنظيمياً، وفقاً للظروف التي تحيط بها . ولقد تبين أن كثيراً من الذين انضموا إلى "داعش" في الشهور الأخيرة كانوا أعضاء في هذه المنظمات، منهم من كان يمارس القتل والتدمير، بل والذبح، في سيناء، وبينهم أعضاء في تنظيم الإخوان، وهم الذين أعلنوا ذلك صراحة، إما بإبداء التعاطف مع "داعش"، أو بإعلان الانضمام إليها، وتبني أهدافها . -