يوسف القعيد يكتب : هيكل وعبد الناصر وأم كلثوم

جولة عربية

الاثنين, 09 فبراير 2015 13:52
يوسف القعيد يكتب : هيكل وعبد الناصر وأم كلثوم

يوم الجمعة الماضى السادس من فبراير أكمل الأستاذ محمد حسنين هيكل 73 عاماً من العمل المستمر والمتواصل فى الصحافة. متعه الله بالصحة والعافية وطول العمر.

فى مثل هذا اليوم سنة 1942 التحق بالعمل ومر بالتطورات التى نعرفها كلنا ـ هذا ما أبلغنى به الصديق خالد عبد الهادي المثقف الفلسطيني - عدت بهذه المناسبة لأوراقي معه. وتوقفت أمام ما حكاه لى حول أم كلثوم وعلاقتها بعبد الناصر.
هذه الأيام اكتشفت مرور أربعين عاماً على رحيلها. وما زالت هي الحقيقة الأولى في الغناء المصري والعربي. اخترقت الحواجز والأزمنة وما زالت حاضرة بقوة رغم الغياب الجسدي.
قال لي الأستاذ هيكل إن عبد الناصر كان يحب الاستماع إلى أم كلثوم أساساً. كان يحبها جداً ويعشق أغانيها بشكل خاص. وبعد ذلك بسنوات، عندما أصبح عنده مكتب في منزله يعمل فيه، ثم ظهرت الشرائط، وقبلها كانت هناك اسطوانات. وكانت موجودة عنده دائماً. وصوت أم كلثوم كان يؤنسه فى كل وقت سواء الأسطوانات أو الشرائط. أذكر أنه كان يتكلم أمامي باستمرار عن إعجابه بأم كلثوم.
ويكمل أن أم كلثوم كانت صاحبة فكرة تسجيل أداء الشيخ محمد رفعت للقرآن الكريم، لكن الشيخ رفعت كان يرفض ذلك باعتبار أنه لو جرى تسجيل القرآن كله بصوته قد يتم الاستغناء عنه، وهو كان يحصل على أعلى أجر عن ترتيل القرآن الكريم،

وهو 30 جنيهاً في الساعة، وهو أجر كبير بمعيار ومقياس زمانه.
أم كلثوم اتفقت مع سعيد باشا لطفي وكان مدير الإذاعة، أن يسجل للشيخ رفعت بعض الاسطوانات أو الشرائط على سلك، دون علم الشيخ محمد رفعت، وعندما عرف بالتسجيل غضب غضباً شديداً، وذهب إلى الإذاعة وحصل على الاسطوانات والشرائط كلها، لكن بقي عند الإذاعة من عشرة إلى اثنى عشر شريطاً، لم يحصل عليها الشيخ رفعت عندما طالب بتسجيلاته كلها.
قال هيكل: رأيت دمعة في عيني جمال عبد الناصر تأثرا بغناء أم كلثوم. وذلك يوم أن غنت أم كلثوم قصيدة لأحمد شوقي. قلت له: كيف كانت علاقته بأم كلثوم وعبد الوهاب؟ فكل حاكم يحرص على أن يعرف عن قرب نجوم مجتمعه، وأهل الطرب يكونون في المقدمة دائماً؟ فهم يسعدون الناس، والقرب منهم يجعل صورة الحاكم في الذهنية العامة أكثر من إنسانية؟
قال لي: كان جمال عبد الناصر يحب أم كلثوم بدون حدود، ولكن موقفه العاطفي والإنساني من محمد عبد الوهاب كان له إطاره. أم كلثوم كانت فلاحة مصرية من عمق القرية، وعبد الوهاب قاهري من قاع الحارة، وهناك خلاف بين الحالتين. كل منهما
له أصله وأصالته.
عندما جاءت ثورة 23 يوليو حدث توهج، أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب كانا موجودين قبل الثورة، وكانا يغنيان، ولكن بعد الثورة بدأت الناس تسمع لهما أكثر من ذي قبل. لم يتجل صوت أم كلثوم حتى في أغانيها التي كانت موجودة قبل الثورة، لأنها لم تُسمع بالقدر الكافي، وجمال صوتها بدا في عصر معين، الناس كانت متفتحة فيه لتقبل أشياء جديدة. وعندما دخلت أم كلثوم هي وعبد الوهاب، وهي والموجي، وهي وعبد الحليم، وجد الجميع أنفسهم أمام عصر انبثاق غريب جداً ضاهى زمن سيد درويش وثورة 1919.
في البدايات الأولى - يحكي الأستاذ هيكل - تلاحظ أن الغنوة التي كتبها كامل الشناوي لأم كلثوم والتي يقول فيها: وعندي الجمال وعندي جمال. كان عبد الناصر معترضاً على هذه الأغنية جداً، اعتراضه كان قائماً على وجود اسمه فيها، ولكن بعد ذلك المسائل فلتت. عندما كتب كامل الشناوي الأغنية التي غنتها أم كلثوم. جمال عبد الناصر تكلم بنفسه مع أم كلثوم، قال لها أنا ضد ذكر اسمي، فجرى تغيير المقطع. قالوا:
وعندي الجمال وعندي جمال. وفي الآخر أصبحت الصيغة شبه مقبولة. كانت مكتوبة من قبل وعندي جمال وعندي جمال.
ولكن تحويل الكلمة الأولى إلى الجمال أصبحت الصيغة شبه مقبولة، واعتبر أن ذلك يشكل حلاً وسطاً. كان جمال عبد الناصر ـ بالحس الإنساني وحده ـ يتعامل مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. أم كلثوم مثل كل الفلاحين واضحة وصريحة. عبد الوهاب كان ابن مدينة، ابن حي باب الشعرية. أم كلثوم كانت ابنة قرية طماي الزهايرة بالدقهلية. عبد الوهاب كان قاهرياً بكل دلالات القاهرة، في شخصية القاهري.
وما زالت حكايات الزمن الجميل مفتوحة.
نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية