رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حسن منيمنة يكتب: خيارات واشنطن بعد حرق الكساسبة: مسلم أحرق مسلماً

جولة عربية

الأحد, 08 فبراير 2015 15:04
حسن منيمنة يكتب: خيارات واشنطن بعد حرق الكساسبة: مسلم أحرق مسلماً

هل هو الثبات أم الجمود الذي يسيطر على أقوال الرئيس الأميركي وأفعاله إزاء تنظيم الدولة؟ قد يختزل هذا السؤال طبيعة السجال السياسي الذي تشهده العاصمة الأميركية واشنطن والذي احتدم في أعقاب إقدام تنظيم الدولة على الانحدار بأدائه أخلاقياً وإنسانياً إلى مستويات دنيا غير مسبوقة، مع اغتياله حرقاً للطيار الأردني الأسير لديه، وتصويره للجريمة ونشر الشريط تشفياً في أوساط مؤيديه.

والحديث في واشنطن لا يدور طبعاً حول المسؤولية الأميركية غير المباشرة وإن الجزئية عن هذا الفعل الشنيع، سواء من جهة التخلف عن اعتراض تنظيم الدولة في مراحل نشوئه الأولى، على رغم تحذيرات أصوات عدة من أن التأخير في معالجة هذه الظاهرة سوف يؤدي إلى تفاقمها، ولا من حيث الزج غير الواضح العواقب للقوات المسلحة التابعة لدول المنطقة في معركة مع تنظيم الدولة قد لا يثابر عليها الطرف الأميركي بالشكل الذي تتوقعه حكومات المنطقة، بل هو حول حصيلة الأشهر الماضية في مواجهة هذا التنظيم من منظور سياسي أميركي داخلي.
فالأرقام الواردة في هذا الشأن تشير إلى آلاف الطلعات والضربات الجوية التي أنزلت بالتنظيم خسائر هامة في العداد والعتاد، وإلى خطوات تضييقية بما في ذلك قصف المواقع الحيوية، أفقدته عائدات كثيرة، بالإضافة إلى نجاحات ميدانية حققتها القوات الأرضية المتآلفة مع التحالف في أكثر من موقع أدت إلى اندحار للتنظيم في بعض المواقع وتسليمه باستحالة التوسع في أخرى. وهذه النتائج الإيجابية ولكن المحدودة تنسجم مع تنبيه الرئيس الأميركي للجمهور بأن المعركة سوف تستغرق أعواماً طويلة، وهي لذلك قائمة على معادلة يكررها الرئيس وكأنها لازمة حول «إنهاك التنظيم ثم في نهاية المطاف إنزال الهزيمة به». أي أنه لا يجوز توقع النتائج الفورية.
ولكن، مع انحسار الغضب حول ما دفع الرئيس إلى المبادرة بالتدخل أساساً، أي ذبح الصحافيين الأميركيين، فإن هذه النتائج

المبهمة تلقى الاعتراض من أكثر من جانب. فخصوم الرئيس أوباما الجمهوريون يشككون بالجدوى ويشيرون إلى أن الوصف الإيجابي للنتائج يطمس وقائع مناقضة هي أن التنظيم يستمر في التعبئة، داخل مناطق سيطرته وخارجها، وذلك بمستوى يقارب خسائره البشرية، في حين أن التدخل قد أتاح له عملياً حسم الحرب الأهلية الجهادية لمصلحته في أكثر من موقع، وهي الحرب التي كانت تستهلك العديد من طاقاته. ويلجأ هؤلاء الخصوم إلى التقييمات الصادرة أو المسربة من الجهات العسكرية والتي تفيد بأن الحملة المضادة للتنظيم لن تنجح ما لم ترسل الولايات المتحدة قوة تدخل برية، وهو ما قد تعهد الرئيس الأميركي ألا يقوم به. فالاعتراض هنا هو أن الرئيس لا يقوم بما يكفي ليكون الاستثمار الأميركي له ما يبرره، والمطالبة تتراوح من التلميح إلى التصريح بضرورة إيفاد القوات البرية.
ولكن في المقابل، فإنه ثمة أوساط واسعة في الولايات المتحدة، تشمل القاعدة الشعبية الرئيسية لأوباما من التقدميين المعنيين وحسب بالشؤون الداخلية، وتضم كذلك شرائح واسعة من المحافظين القدماء المطالبين بالانكفاء عن أية مغامرة خارجية، ترى خلاف الطرح التدخلي، وتعتبر بأنه على الولايات المتحدة ألا تتورط مجدداً بمعارك هي في غنىً عنها، وتطالب بالتالي المباشرة بتقليص المشاركة الأميركية في النشاط المعادي لتنظيم الدولة بدلاً من توسيعه.
وإذا كان الفعل القبيح لإحراق الطيار الأردني قد استحصل على إجماع بالاشمئزاز والتنديد، فإنه بالنسبة لكل من الطرفين قد أكّد المؤكّد، إذ من كان يرى وجوب التدخل اعتبره نموذجاً من المخاطر التي قد تطاول الولايات المتحدة في حال لم توفد القوات البرية،
ومن كان يدعو إلى الانكفاء أصبح يشدد في دعوته على ضرورة تجنيب الولايات المتحدة هذه الاستعراضات الدموية. ولكن في حين ارتفعت وتيرة المطالبات المتضادة، فإن الإحراق على شناعته لم يبدل التفضيل المهيمن لدى عموم الأميركيين بالانكفاء.
ولا شك أن هوية الضحية هي العامل الأساسي لغياب التعبئة. فالمقتول عربي مسلم، والقاتل كذلك، بل ثمة اهتمام عرضي بوجهة نظر الأزهر، كصوت إسلامي نافذ من المفترض أن يكون معتدلاً، والتي دعت إلى تطبيق حد الحرابة وتقطيع وصلب للبغاة من تنظيم الدولة. والاهتمام هنا للتبرؤ من أية دعوة للتعاضد المبني على القيم. وإذا كان لا بد للجزاء أن يكون من جنس الفعل، فإن غالب الثقافة الأميركية، على رغم تغاضيها عن فظائع ترتكبها قواتها المسلحة بحجة غياب التعمد، ترى بأن الفاعل والمفعول خارج إطار القيم المشتركة وبالتالي خارج إطار التعاطف والدعم. والمسألة من وجهة نظر تسطيحية داخلية هي بين العرب المسلمين ولا داعٍ لرفع مستوى التورط الأميركي.
النتيجة بالتالي هي أن الجريمة الجديدة لا تأتي بإلزام جديد للرئيس أوباما، لا بل تعفيه من بعض الالتزام وإن جاهر بالمزيد من التأييد لحلفائه في المنطقة. وفي حين أقحم ذبح الصحافيين الأميركيين أوباما في حرب غير محسوبة، فإن حرق الطيار الأردني يتيح له هامشاً أوسع من القرار، على رغم أن الرئيس وفق كل المعطيات لا يسعى إلى أي تبديل في منهجية أمنية لاعتراض الدولة الإسلامية، تقتصر على قدر من الاحتواء، وإن زعمت السعي إلى القضاء على هذا التنظيم، من دون دفع الولايات المتحدة إلى معركة شاملة يرى معظم الأميركيين أنها لا تعنيهم.
هو الثبات إذن وليس الجمود في موقف الرئيس، غير أنه الثبات على رغبة لا يجري التعبير عنها إلا بالتدليس بعدم الانجرار إلى هذا المعترك لاعتبارات ذاتية بغضّ النظر عن الثمن الإنساني. وإذا كانت ثمة مطالبة من المبدئيين القلائل بمراجعة للتقصير في الإقدام على ما كان من شأنه منع تنظيم الدولة من البروز، من خلال سياسة مسؤولة للولايات المتحدة إزاء كل من سورية والعراق في المرحلة الماضية، فإن مسؤولية المراجعة المقبلة، بعد العامين المرتقبين من التسويف، سوف تقع على رئيس جديد. وكما نبّه الرئيس أوباما الجمهور، إنها معركة طويلة، وإن غاب في تنبيهه توضيح دور التنصل والامتناع في إطالتها.
نقلا عن صحيفة الحياة