علي جرادات يكتب: مصر تواجه حرباً ستكسبها.. لماذا؟

جولة عربية

الأحد, 08 فبراير 2015 15:02
علي جرادات يكتب: مصر تواجه حرباً ستكسبها.. لماذا؟

أن يسقط عشرات الجنود والضباط المصريين بين شهيد وجريح في مذبحة العريش شمال سيناء، ذلك يعني أن تنظيمات الإرهاب التكفيري في مصر، خصوصاً عصابة "أنصار بيت المقدس" في سيناء.

باتت تملك أسلحة نوعية متطورة، وأدوات اتصال ووسائل لوجستية حديثة ودقيقة، وطاقات بشرية على مستوى عالٍ من التدريب والتأهيل والتخطيط، وإمكانات مالية ضخمة . لذلك فإنه لا مبالغة في إعلان الرئيس المصري، السيسي: "سيناء لن تكون إلا لمصر" . ما يعني أن قيادة مصر السياسية والعسكرية تعي وتستشعر خطورة أن ثمة مخططاً يستهدف الوحدة الجغرافية لمصر، في أقله فصل سيناء والسيطرة عليها لإقامة إمارة تكفيرية، أو ولاية "داعشية"، على غرار الحاصل في شمال العراق وشرق سوريا . بذلك يتضح أن جيش مصر الوطني ليس المستهدف بذاته، إنما بصفته عماد قوة مصر الدولة وأمنها الوطني ووحدة أراضيها وشعبها، بل وبصفته عماد الأمن القومي العربي، أيضاً .
أما أن يتزامن توقيت هذه المذبحة مع مسلسل التفجيرات الإجرامية في محافظات القاهرة والإسكندرية والشرقية وغيرها، ومع إعلان جماعة "الإخوان المسلمين" عن استراتيجية جديدة بمناسبة الذكرى السنوية الرابعة لثورة 25 يناير، فدليل واضح وكافٍ على أن "الجماعة" بتنظيمها الدولي والدول المتحالفة معها، في مقدمتها تركيا "الإخوانية"، متواطئة ومستفيدة وداعمة بالسياسة والمال، إن لم تكن على تنسيق ميداني مع منفذي مذبحة العريش . حدد الرئيس المصري ذلك بوضوح كافٍ بالقول: "تواجه مصر أكبر تنظيم سري في العالم، بل ويقود دولاً" . ذلك من دون أن ننسى تزامن توقيت مذبحة العريش والتفجيرات الإجرامية مع تحذيرات فضائيات "الإخوان" في تركيا وغيرها لطواقم وبعثات السفارات والشركات ووكالات السياحة والاستثمار الأجنبية، ودعوتها إلى "مغادرة مصر فوراً، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية فيها" .
لكن الأكثر إضاءة على الهدف الأساس للمذبحة

والتفجيرات هو تزامن توقيت كل ما تقدم مع زيارة وفد "إخواني" للولايات المتحدة وإجراء لقاءات مريبة، لا ينفي أو يحجب دلالاتها السياسية لا إعلان وزارة الخارجية الأمريكية أن الزيارة تمت بناء على دعوة من جهات أكاديمية في جامعة جورج تاون، ولا إعلان مسؤول العلاقات السياسية الخارجية في حزب "الحرية والعدالة" "الإخواني" أن من حق "الجماعة شرح موقفها للولايات المتحدة وغيرها من دول العالم من الانقلاب العسكري على السلطة المصرية الشرعية ورئيسها المنتخب، ومما يتعرض له الشعب المصري وقواه الثورية من قمع وبطش" . والسؤال: كيف يمكن فك ألغاز هذا اللقاء الأمريكي المعلن، ناهيك عن غيره من اللقاءات السرية، مع ممثلي جماعة تضعها السلطة المصرية المعترف بها من واشنطن على قائمة الجماعات الإرهابية؟
يبدو أن الإدارة الأمريكية قد قررت أو تكاد العودة إلى اللعب مع مصر لعبة استخدام ما تسميه "تيار الإسلام السياسي المعتدل"، وتقصد "الإخوان" طبعاً، بذريعة أو بوهم أنهم القادرون أكثر من غيرهم على المساعدة في التصدي لما ساهمت هي في خلقه وانتشاره وتقويته، بل ومده بالمال والسلاح في أفغانستان والعراق وغيرهما، من عصابات الإرهاب التكفيري الإسلاموي . لا عجب . فهذه اللعبة الأمريكية قديمة جديدة، جوهرها: استخدام تيارات ما يسمى الإسلام السياسي لضرب تيارات العمل الوطني والقومي العربي وأهدافها في التحرر السياسي والاجتماعي والخروج من إطار سيطرة الولايات المتحدة والتبعية لسياستها ومصالحها العليا، وفي مقدمتها الحفاظ على تفوق ربيبتها وحليفتها الثابتة "إسرائيل" على ما عداها من دول المنطقة وقواها .
هذا ناهيك عن أن هذه اللعبة ليست ابتكارا أمريكياً، بل موروثة عن بريطانيا، عندما كانت "عظمى" وقائدة لقوى الاستعمار والسيطرة القديمة، وحيث واجهت تيارات العمل الوطني والقومي العربي بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية وسقوطها، بالعمل على دعم، كي لا نقول المساهمة في إنشاء، تيارات سياسية بغطاء إسلامي، أهمها جماعة "الإخوان المسلمين"، نادت باستعادة الخلافة العثمانية التي أصبحت في ذمة التاريخ وخارج منطق العصر، بينما يحلم حزب "الحرية والتنمية" التركي بقيادة أردوغان وباقي فروع تنظيم "الإخوان" الدولي بإحيائها في حلة جديدة لا جديد فيها .
إذاً، بالمعطيات والوقائع الدامغة قبل التحليل، وبلا أدنى تطيُّر، باتت مصر، دولة وشعباً وجيشاً ومجتمعاً وسلطة تحظى بشرعية شعبية ثورية ودستورية انتخابية، في حالة حرب فعلية شاملة مع التنظيمات التكفيرية الإرهابية . فقبل مذبحة العريش وسلسلة التفجيرات الإجرامية غير ما قبلها، خاصة وأن هذه التنظيمات إن هي إلا أدوات لأطراف داخلية وخارجية تستهدف، أساساً، نشر الفوضى وإعاقة عقد الانتخابات البرلمانية "ومؤتمر الاستثمار الدولي"، وإظهار أن جيش مصر وأجهزتها الأمنية والشرطية عاجزة عن توفير الأمن والاستقرار، وأن سلطة مصر التنفيذية الجديدة المنتخبة، ورئيسها بالذات، عاجزة عن تنفيذ ما وعدت به وأعلنته من مشروعات طموحة لنهوض مصر وتنميتها واستعادة مكانتها ودورها عربياً وإقليمياً ودولياً . وهو ما حدا بالرئيس السيسي إلى مصارحة الشعب المصري بحقيقة أن "معركة مصر مع الإرهاب معقدة وقوية وشريرة ويحتاج الانتصار فيها وقتاً طويلاً" . بل وأن يعلن أمام كبار رجال الدولة والحكومة وممثلين عن الأزهر والكنيسة والأحزاب السياسية الوطنية بألوانها والمؤسسات الإعلامية والصحفية والفنية والثقافية، عن تشكيل قيادة موحدة واستثنائية ل"جبهة شرق القناة"، أي جبهة الحرب على عصابات الإرهاب التكفيري في سيناء، على طريق هزيمتها وتحقيق النصر عليها وعلى كل من يدعمها أو يرعاها أو يستخدمها . وفي ظني أن شعب مصر العريق بجيشه الوطني الذي لم يخذله يوما، وظل شعاره دوماً "تحيا مصر"، سيكسب المعركة عاجلاً أو آجلاً، تقدم الأمر أو تأخر . كيف لا وهو الشعب الذي أبهر العالم عندما احتشد بالملايين في ميادين مصر في ثورتيْ 25 يناير و30 يونيو، وأطاح سلطتين في زمن قياسي، وبأقل خسائر ممكنة بالمعنى الشامل للكلمة؟
نقلا عن صحيفة الخليج