رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

يحيى الجمل يكتب: سيدة الغناء العربي

جولة عربية

الخميس, 05 فبراير 2015 12:32
يحيى الجمل يكتب: سيدة الغناء العربي

بالأمس، الأربعاء 4 فبراير، مرّ على وفاة سيدة الغناء العربي أم كلثوم أربعون عاماً.

وأظن أنني أول من تلقى هذا الخبر الحزين (في الساعة الثانية وخمسة عشرة دقيقة)، ذلك أنني كنت آنذاك وزيراً لشؤون مجلس الوزراء، واتصل بي مدير مستشفى المعادي آنذاك قائلاً «البقية في حياتكم، أم كلثوم انتقلت إلى جوار ربها».
وفي نفس اللحظة أخطرت رئيس مجلس الوزراء المرحوم الدكتور عبد العزيز حجازي، الذي طلب مني أن أكتب نعي مجلس الوزراء وأن يذاع النعي في نشرة أخبار الثانية والنصف، أي بعد ربع ساعة من تلقي النبأ. وبالفعل كتبت النعي واتصلت بوزير الإعلام آنذاك، الأخ الأستاذ الدكتور..
كمال أبو المجد، وطلبت منه أن يذاع الخبر في الساعة الثانية والنصف، ثم يذاع بعد ذلك في كل نشرات الأخبار على مدار الساعة. ومن عجب أن محطة إذاعة أجنبية أذاعت النبأ فور إذاعته من الإذاعة المصرية، قائلة إن أم كلثوم لم تمت. وكان لذلك الخبر ضجة غير عادية، إذ اتصل بي رئيس الوزراء ثائراً، ولكن الله سلّم، إذ اتصل بي مدير مستشفى المعادي قائلاً إن أم كلثوم توفيت فعلاً..
وأن ما أذيع كان كذباً لا أساس له. وأحب هنا أن أتحدث عن أم كلثوم التي عشقت صوتها، والتي لا أنام

إلا بعد أن أسمع إحدى أغنياتها. أعرف أنها من القلائل الذين كانوا يستطيعون الاتصال بجمال عبد الناصر اتصالاً مباشراً، وأنها كانت من القلائل الذين يعرفون رقماً خاصاً للاتصال به.
وقد سمعت القصة الآتية من الشاعر الكبير نزار قباني، الذي اكتشف أنه ممنوع من دخول مصر، فهاله الأمر واتصل تليفونياً بأم كلثوم يستفسر منها عن صحة هذا الأمر، واستبعدت أم كلثوم أن يكون ذلك صحيحاً، ولكنها أخذاً بالأحوط اتصلت بالرئيس عبد الناصر الذي تبين أنه لا علم له بالأمر..
فأمر بالاتصال ببعض العاملين في مكتبه وقيل له؛ ألم تقرأ قصيدته التي قال فيها للحكام العرب جميعاً – وفيهم عبد الناصر بطبيعة الحال – ارحلوا. وقد يحسن هنا أن أذكر بعض ما جاء في هذه القصيدة، وإن كان الاختيار بين أبيات القصيدة أمراً صعباً، لأنها كلها بالغة المرارة، وكلها لاتزال صادقة حتى يوم الناس هذا.
ماذا يقول الشاعر الكبير نزار قباني؟ إنه يقول في ما يقول:
أنعي لكم أنعي لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة
جلودنا ميتة الإحساس
أرواحنا تشكو من الإفلاس
لو أننا لم ندفن الوحدة
في التراب
لو أننا لم نمزق جسمها بالخراب..
هذه بعض أبيات القصيدة الصادقة، والتي منعت السلطات المصرية في وقتها الشاعر الكبير من دخول مصر بسببها، فلجأ إلى أم كلثوم التي اتصلت بعبد الناصر وأخبرته.
وعندما سمع عبد الناصر القصيدة قال لمن حوله: إذا كنا نحن بمشاعرنا وإحساسنا العادي كسرتنا الهزيمة وأحزنتنا، فهل نستكثر على شاعر مثل نزار قباني أن يقول ما قال! إنه صادق في ما قال، اتركوه يدخل مصر وعندما يحضر أرجو أن أجد الوقت لأقابله وأكرمه.. هكذا كان عبد الناصر الذي يقولون إنه كان ديكتاتوراً!
وواقعة أخرى عن سيدة الغناء العربي يحسن أن أوردها هنا الآن، فأغلب عشاقها أظن أنهم لا يعرفونها. في ليلة كانت أم كلثوم عند أمير الشعراء أحمد شوقي، وشدت بواحدة من أغنياتها ثم بعد ذلك مدت موائد الطعام للمدعوين ودارت عليهم أقداح النبيذ، واعتذرت أم كلثوم لأنها لا تشرب أي نوع من الكحوليات، ولاحظ أمير الشعراء ذلك. وبعد يومين ذهب لزيارتها في منزلها..
وبعد أن دخل قدم لها مظروفاً وانزعجت سيدة الغناء العربي لأنها ظنت أن أمير الشعراء وضع لها بعض المال مقابل غنائها في تلك الليلة، وطمأنها أمير الشعراء وقال لها: افتحي المظروف أولاً ولا تتعجلي بالغضب. وفتحت أم كلثوم المظروف، ولدهشتها البالغة وجدت فيه قصيدة جديدة لأمير الشعراء يقول فيها:
سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واسألوا الراح هل مست ثناياها
وغنت أم كلثوم القصيدة الرائعة، وأسعدت بها عشاقها في كل أنحاء الوطن العربي. هذه هي سيدة الغناء العربي التي مهما قلت فإننا لن نوفيها بعض ما تستحق..

نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية