زهير قصيباتي يكتب: موتٌ معلن في قفص

جولة عربية

الخميس, 05 فبراير 2015 12:29
زهير قصيباتي يكتب: موتٌ معلن في قفص

كلما ازدادت نكسات «داعش» وخسائره، زادت شراسته ووحشيته في ترويع الخصوم، خصوصاً التحالف العربي- الدولي الذي يقصف مواقع التنظيم في العراق وسورية.

وإن كانت تلك نتيجة «منطقية» للأحداث التي تتوالى مصائبها في البلدين، فالأكيد ان الدول التي تدفع أثماناً بشرية في الحرب على «داعش»، لا يمكنها إعلان استسلامها... للاستسلام معنى وحيد وهو إغراء التنظيم بممارسة مزيد من الابتزاز، وتطويع «خلافة» أبي بكر البغدادي مساحات إضافية من دول المنطقة، وتحطيم حدود أخرى وكيانات ومجتمعات.
لن يبدِّد الأمر سريعاً صدمة حرق «داعش» الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة، ولم يكن أحد في حاجة إلى دليل آخر من هذا النوع، ليقتنع بأن وحشية التنظيم بلا حدود، كما اعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعد بث الشريط.
واضح ان توقيت البث هو لإحراج أوباما وضيفه الملك عبدالله الثاني الذي قطع زيارته واشنطن. وإعلان الجيش الأردني أن الشريط يعود إلى شهر يؤكد تلاعب التنظيم الذي كان طالب بإطلاق العراقية ساجدة الريشاوي، مقابل الإفراج عن الكساسبة. ولكن، هل تكتفي عمان بإعدام الريشاوي، ومساعد أبي مصعب الزرقاوي، تنفيذاً لوعيدها بـ «رد مزلزل» على جريمة حرق الطيار الأسير حياً؟
كارثة أن يتخيل أي عربي، مسلماً كان أو مسيحياً، شيعياً أو سنّياً، أي أوروبي أو أميركي أن مصيره يوماً سيكون كمصير معاذ، أن يُحرق حياً في قفص... الكارثة أن لا يملّ أوباما من إضجارنا كلما عدّد أخطار «داعش» وتسميات لوحشيته ولاإنسانيته، بينما تكتفي واشنطن بإعلان عدد الغارات الجوية على مواقع التنظيم في سورية المنكوبة بحروبها و «مآثر» نظامها، والعراق الضائع بين مكوّناته وحشوده «الشعبية» وميليشياته الخفية.
ولماذا التسرّع، الحرب صعبة، ألم يتوقع الغرب أن تستمر سنوات؟ وإذا كانت عين العرب (كوباني) مثالاً لأي منطقة سيخليها «داعش»، فهل نكون على قائمة إحدى عيون العرب، دماراً وخراباً ومشردين وأرامل، لهم جميعاً وعود سخية بمدن من خيم؟
عين العرب الكردية كلّفت الأكراد كثيرين من الضحايا، والكارثة ان الأرقام في زمن «داعش» والبغدادي، مجرد أرقام.
كيف يردّ الأردن على حرق معاذ حياً؟ كيف يوسّع دوره في التحالف الذي ما زال يجهل حتماً كم سنة سيكون عمر الحرب على «داعش»؟ الأكيد أن عمان تدرك رهان

التنظيم على ترويع الأردنيين وزرع الشقاق بينهم، مستغلاً خوف بعضهم من ثمن الالتحاق بالتحالف. وواضح لدى جميع الذين لا يحتاجون دروساً من أوباما حول وحشية «داعش»، ان الحرب كلما طالت أطاحت ما بقي من تماسك كيانات كثيرة، ووحدة دول عديدة.
قفص معاذ ليس سوى سجن «داعش» الذي رفعت أسواره حول كل المنطقة، وتوسّع... بركان يحرق دولاً عربية ومجتمعات، وتطيح حممه تعايش الغرب والأوروبيين خصوصاً مع الجاليات المسلمة.
قد يسأل بعضنا: إذا كان دحر السوفيات في أفغانستان كلّف العالم الإسلامي لعنة «القاعدة»، وكلّف أميركا لعنة 11 أيلول (سبتمبر)... فهل مصائب البغدادي وكوارثه مجرد ثمن لما فعله الاحتلال الأميركي في العراق؟
يوم بث شريط حرق الطيار الأردني الأسير، كانت موسكو تحتفي بإعلانها طي ملف الأسلحة الكيماوية السورية، لتطمئن واشنطن إلى أن الحليف السوري للكرملين بات بلا أسنان... لم يعد يشكّل خطراً على إسرائيل، هو فقط ينسى كم برميل متفجّر يلقي على شعبه.
وكالعادة، بعد الشريط، هبّ النظام في دمشق مادّاً يده إلى عمان للتعاون في محاربة «داعش»!
قفص معاذ سجن كبير للمنطقة، سيبقى يذكّر الجميع بعجز العرب والمسلمين منذ 11 أيلول، عن انتزاع خلايا التطرف والتعصّب والجنون التي تغلغلت تحت جلدنا، مثقفين ومفكّرين وأمّيين، علماء جَهَلة وجَهَلة، يُنصِّبون أنفسهم حرّاساً للدين وهم يجلِدونه كل يوم... يعادون الأميركي ليل نهار، ويقتلوننا كل ساعة.
سجين «داعش» بزيّ المعتقلين في غوانتانامو.
قفص معاذ، أكبر بكثير من نكبة.
نقلا عن صحيفة الحياة