رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

صالح القلاب يكتب: السعودية تمضي في الألفية الثالثة من الأبواب الواسعة

جولة عربية

الخميس, 05 فبراير 2015 12:26
صالح القلاب يكتب: السعودية تمضي في الألفية الثالثة من الأبواب الواسعة

حتى بعد مرور عقد ونصف العقد من الأعوام، منذ بداية الألفية الثالثة، فإنه يمكن القول وبكل قناعة وبكل راحة ضمير.

إن المملكة العربية السعودية التي قطعت المسافات الطويلة بسرعة الضوء، والتي أصبحت تحتل مكانًا بالتساوي مع الدول العظمى وعضوًا فاعلاً في منظومة أقطاب صنع القرارات «الاستراتيجية» الحاسمة في هذا الكون المضطرب، وفي هذه المرحلة التاريخية الحاسمة، قد دخلت، مع كل هذه التحولات الأخيرة بناء على الإنجازات الهائلة السابقة، القرن الحادي والعشرين من أعرض الأبواب وأوسعها، والمنتظر أن تستكمل هذه الخطوات بقفزات نوعية ثابتة مستندة إلى معجزة الإنجازات التي حققتها وعلى مختلف المجالات منذ عهد الملك عبد العزيز بن سعود، أمطر الله تربته بشآبيب رحمته، وحتى وصلت الأمانة إلى الملك سلمان، أمدَّ الله في عمره.
وهنا فإن الاعتراف لكل ذي حقِّ بحقه يلزمنا التأكيد أن الملك سلمان كان قد اقترب من الألفية الثالثة بتصوراته وتطلعاته وطموحاته وإنجازاته أيضًا، عندما كان القرن الماضي، القرن العشرون، في الخمسين سنة الأخيرة من عمره، فالمعروف أن الرائد يسبق عصره، وأن الإنجاز يبدأ بحلم موضوعي، وأن الحلم هو التحليق المرتفع في المستقبل البعيد بالاستناد إلى الحقائق البعيدة عن الأوهام والتقديرات غير الموضوعية.
كان الملك سلمان شريكًا فاعلاً في مسيرة إخوته الذين تحملوا مسؤولية النهوض بدولة قدَّر الله لها أن تتحمل مسؤولية صعبة في ظروف قاسية ومراحل تاريخية خطيرة؛ فحضورهُ منذ عهد والده وحتى رحيل سلفه خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، كان دائمًا وأبدًا متوفرًا وضروريًا وفاعلاً، وذلك إلى حدَّ أنه كان ولا يزال يعرف هذا البلد المترامي الأطراف، الذي مرَّ بمراحل تاريخية حاسمة على الصعيد الداخلي والعربي وفي المجالات الكونية، كمعرفته لكف يده اليمنى.
كل الذين تسنى لهم معرفة سلمان بن عبد العزيز، إن عن قرب وإن عن بعد، عندما كان في بداية مشوار الحياة الحافلة بالأحداث، وبعد أن أصبح أميرًا لمدينة الرياض، التي كانت عبارة عن قرية كبيرة وأصبحت تضاهي أكبر العواصم العالمية وتتفوق على بعضها، ثم عندما تسلم أمانة ولاية العهد عرفوا فيه حبًا للمعرفة بلا حدود وعرفوا فيه إنسانا شغوفًا بالثقافة ومتابعًا لكل ما تنشره المطابع وكل ما تبثه وسائل الإعلام وعرفوا فيه اطلاعا وعن قرب على كل جديد وتقربًا متواضعًا من أصحاب مهنة القلم حتى إن بعضهم يتحلى بالشجاعة الأدبية ليقول

إنه صديقه، وإن علاقاته به تتجاوز مجرد المعرفة العابرة.
عندما كان الملك سلمان لا يزال في نهايات العقد الثاني من عمره وكان قد وضع أقدامه توًا على بداية هذا الطريق الشائك الطويل كانت المملكة العربية السعودية لا تزال في بدايات محاولات النهوض وكانت دولة تشكو من كل شيء.. من تخلف التعليم ومن غياب المستويات الصحية المفترضة ومن رداءة الطرق والمواصلات ومن بدائية المدارس ومن غياب الجامعات ومن تعثر الإعلام ووسائله ومن شح الكفاءات الاقتصادية والدبلوماسية، لكن هذا كله تغير خلال أقل من خمسين عامًا فأصبحت هذه الدولة رائدة وفي كل شيء، في المجال العربي والإسلامي، وفي المجال العالمي أيضا، حيث هي الآن إحدى دول مجموعة العشرين الكونية، وحيث هي الآن حاضرة ومتفوقة في كل المنتديات وتحسب حسابها كل الدول العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
إنها معجزة الإنجازات، فالآن أصبحت المملكة العربية السعودية رائدة في الابتعاث إلى الخارج، ورائدة في إشادة الجامعات التي أصبحت عريقة، ورائدة في قطاع التعليم على مختلف مراحله، وفي الإنجازات الاقتصادية، وفي بناء المستشفيات المتفوقة، وفي مجال الإعمار والمواصلات، وفي توفير الطاقة للمواطنين ولكل المرافق الصغيرة والكبيرة في البلاد، وفي مجال المزارع، وفي التفوق الدبلوماسي، وفي الإعلام والفنون والثقافة، وفي صناعة الفضائيات التي تفوقت حتى على معظم ما في الغرب من فضائيات.
وكل هذا وقد أصبحت المملكة العربية السعودية، ومبكرًا، صاحبة الهم الأول بالنسبة للقضية الفلسطينية، وبالنسبة للصراع العربي – الإسرائيلي، وبالنسبة للوقوف إلى جانب الأشقاء عند الملمات وفي لحظات الشح والعسرة وبالنسبة لمواجهة الإرهاب والتصدي لكل محاولات الانحراف بالدين الإسلامي الحنيف عن خطه القويم والمعتدل، والمفترض أن الكل يذكر وقوف الملك فيصل إلى جانب عبد الناصر في مؤتمر الخرطوم الشهير بعد هزيمة يونيو (حزيران) المنكرة في عام 1967 ووقوفه إلى جانب مصر وسوريا في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 ووقوف هذه الدولة المبادرة العظيمة، التي تنكر لها الحاقدون والحاسدون وللأسف وما زالوا يتنكرون لها، إلى جانب كل القضايا الإسلامية في كل العالم
الإسلامي.
لقد كانت هناك مبادرة الملك فهد الفلسطينية، عندما كان لا يزال ولي عهد سلفه الملك خالد، التي كانت أول بندٍ على جدولي أعمال القمتين العربيتين «فاس» الأولى، و«فاس» الثانية، ثم كانت هناك أيضا مصالحة مكة المكرمة التي رعاها الملك عبد الله، وكانت هناك عملية ترتيب البيت الخليجي، كما كانت تلك الخطوة الشجاعة بالوقوف إلى جانب مصر في تلك اللحظة المفصلية الحاسمة، وهي لحظة استكملها الملك سلمان في الأيام الأخيرة عندما جدد التأكيد على اصطفاف المملكة العربية السعودية والشعب السعودي إلى جانب مصر وقيادة مصر والشعب المصري في مواجهة هذا الإرهاب المدمر الذي تساهم في دعمه بعض دول المنطقة، وللأسف تواطأت معها بعض الدول الكبرى.. وللأسف أيضًا.
إن هذه، هي المملكة العربية السعودية، وإن هذه هي مسيرتها الخيرَّة والمباركة، وهنا فإنه علينا عندما نتحدث عن أن الملك سلمان كان قد أدرك بتصوراته وتطلعاته وآماله وأحلامه الألفية الثالثة عندما كان القرن العشرون لا يزال في العقود الأخيرة من عمره، أن نتذكر أن الملك عبد العزيز بن سعود لم يغرق في اللحظة الراهنة في نهايات النصف الأول من القرن الماضي، كما فعل غيره، وأنه عالج كل قضايا بلده الناشئ ليس بأفق ومفاهيم تلك المرحلة المتقدمة جدًا، وإنما بأفق ومفاهيم نهايات القرن العشرين وعقوده الأخيرة.
كان الملك عبد العزيز بن سعود، رحمه الله الرحمة الواسعة، قد اختار بينما لم تكن الحرب العالمية الثانية قد انتهت ووضعت أوزارها، المراهنة على الولايات المتحدة واختار التحالف معها، وذلك الوقت الذي أبقى فيه آخرون على تحالفهم مع بريطانيا، التي كانت قد بدأت السير على طريق التراجع عن كونها «العظمى» وعن كونها الدولة التي لم تكن تغيب عن أملاكها الشمس، واختار غيرهم التحالف مع الاتحاد السوفياتي الذي انهار في بدايات تسعينات القرن الماضي وانتهى تلك النهاية المأساوية.
لم يكن الملك عبد العزيز بن سعود يرجْم بالغيب عندما خالف الآخرين بتحالفاتهم، ولكنها القدرة على الاستشراف، التي يتمتع بها قائد ملهم لم يغرق في «اللحظة الراهنة» والتي جعلته يختار التحالف مع الولايات المتحدة على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وليس على أساس التبعية، فكان ذلك اللقاء التاريخي بينه وبين الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت الذي تم في عام 1945 في منطقة البحيرات المرة بقناة السويس، أي بعد سبعة أعوام من بداية إنتاج النفط في المملكة العربية السعودية وقبل نحو خمسة وأربعين عامًا من انهيار الاتحاد السوفياتي، ذلك الاجتماع الذي أسس لعلاقات استراتيجية بقيت راسخة حتى الآن والمنتظر أن تبقى راسخة على المديين المنظور والأبعد.
لم يتأخر الملك سلمان ولا للحظة واحدة بعد تسلم أمانة المسؤولية الأولى، فهو بادر إلى هذه التغييرات التي جعلت المملكة العربية السعودية تمضي إلى الأمام وبعيدًا في القرن الحادي والعشرين وكل هذا مع الحرص على أن تكون هذه التغييرات على أساس «التجْسير» بين أصحاب الخبرة من الأجيال السابقة وبين أصحاب الكفاءات من الأجيال الشابة الصاعدة.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط