رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

يوسف القعيد يكتب : ليلة الجمر والرماد

جولة عربية

الاثنين, 02 فبراير 2015 15:45
يوسف القعيد يكتب : ليلة الجمر والرماد

تجربتي مع كتابة مقال الأسبوع تستحق أن تروى، وتوشك أن تكون حالة تتكرر كل أسبوع. وكلما وقفت أمامها أكبرت من يكتبون بصفة يومية، واعتبرتهم أبطالاً بسبب هذه القدرة الفريدة على الكتابة اليومية. والذي حدث أنه بعد نشر مقال الأسبوع الماضي: كانت أيام،

وكان عنوانه الأصلي الذي غيرته في اللحظة الأخيرة: انتهازية شوقي، اتصل بي الصديق الدكتور صابر عرب وعبر عن استغرابه أن أكتب عن ماضي تاريخنا الأدبي، في وقت تموج فيه مصر بالتطورات الكثيرة.
ثم اتصل بي صديقي الدكتور أحمد العزبي وقد عبر عن موقف مندهش من المقال. شرحت لهما ما سبق أن سمعته من الأستاذ محمد حسنين هيكل، عندما قال لي إن الصحافة المصرية تنشر حوالي 800 عمود رأي في اليوم، وأن هذا يخلق حالة من الصخب والتداخل وربما الزحام. وطالما وصلت الكتابة لمشارف مجتمع الزحام الذي نعيش فيه، تصبح الكتابة مأزقاً والتفكير في موضوعاتها ربما يستغرق وقتاً أطول من كتابتها.
لست ضد انفجار كتابة الأعمدة الصحافية في الصحافة المصرية – هنا والآن – فربما كان لهذا الجانب أثره الإيجابي وتعبيره عن أن نخبة مصر تتفاعل مع ما يمر بها من أحداث، وتعبر عما تؤمن به من ثوابت وما يمكن أن تقبله من متغيرات. لن أقول كلاماً كبيراً عن ديمقراطية التعبير التي ربما أصبحت بديلاً لديمقراطية المشاركة، لكن الزحام

يسعدني كل صباح، وإن كنت أختار بعناية ما يمكن أن أقرأه.
كنت قد نويت أن أستكمل ذكرياتي الأدبية ومخزون قراءاتي عن تاريخنا الأدبي، وتمعّني في شخصيات توقفت أمامها مرة بالإعجاب وأخرى بالشجب، ومرة بالقبول وثانية بالرفض. ولكني قلت لنفسي: من الذي يمكن أن يهتم بالحفريات التاريخية في بلادنا! صحيح أن المعاصرة لعنة، وأن اللهاث وراء ما يجرى في الواقع عندما يتغير بين برهة وأخرى ويفاجئك بما لم تتوقعه، يربك حسابات الإنسان ويعبر عن نفسه في أي كتابة، مهما حاول الكاتب أن يجلس في مقاعد من يحلل ويدرس بهدوء، بعيداً عن صخب اللحظة.. إلى أن جاءت ليلة الجمر والرماد.
مساء الخميس الماضي وقع ما جرى في سيناء، وأصبحت كائناً لا يفعل سوى اللهاث من محطة تليفزيونية لأخرى؛ يتابع، يحاول أن يتصرف كما لو كان هناك في قلب المعركة، وسط سكان خط الدفاع الأول عن مصر. vأول ما لفت نظري أن الجهة المنفذة المسؤولة عن الحادث، غيرت اسمها من سرايا القدس إلى ولاية سيناء، وأن المتحدث باسمها قبل أن يعلن مسؤوليتهم عن الحادث، قال إن أمير المؤمنين أبو بكر القرشي الحسيني البغدادي قبل بيعتهم،
وأنهم يهدون له العملية.
لا أثير رعب الناس مما يسمى بداعش، هذه الصنيعة الغربية التي قررت أن تجعل منا هدفاً لها بعد بدء حصارها في العراق والحرب ضدها في سوريا، لكن لا بد من أخذ الأمر بالجدية، وألا نطمئن أنفسنا طمأنة بلهاء يمكن أن تكون نتائجها أخطر مما نتصور.
عرفت أن التفجير الذي قام به انتحاري يقود سيارة مليئة بالمتفجرات وقع مع بداية حظر التجول، وهذا معناه أن حظر التجول لا يمكن أن يشكل حلاً قائماً بذاته، لكن لا بد من اللجوء له ضمن إجراءات أخرى قد تكون أكثر أهمية منه.
ربما قلت إن الانتحاريين والسيارات المفخخة من الأمور الغريبة علينا نحن أهل مصر.
صنعنا الحضارة ولم نكن معنيين بصناعة الدمار والخراب، لكن ما أخافني أكثر كان طلقات الهاون التي أطلقت بعد تفجير السيارة بدقائق معدودة، على نفس المكان الذي انفجرت فيه السيارة. هذا الحادث لا يجب أن نتعامل معه بالتهاون القاتل ولا بالتهويل المخيف، لكن نضعه في سياقه.
وأنا أقول بضمير مستريح، إن إحساسي كفرد يجلس في بيته لا مصدر له للحصول على المعلومات سوى وسائل الإعلام المتاحة للناس، أن هذا الحادث يشكل نقلة نوعية في ما يقوم به المتطرفون والإرهابيون والخرابيون ضد مصر.
أعتقد أن دولة ما لا أعرف ما هي أو جهازاً مخابراتياً عتيقاً يقف وراء التخطيط الدقيق والمحكم، والذي تم بناؤه على معلومات حقيقية.
مع أن من المفترض أن تكون معلوماتنا نحن أهل البلد الذين تمثلهم حكومة لديها أجهزة أمنية، أسبق من معلومات الإرهابيين. لا يجب أن نكتفي بوقوع حادث لنرد عليه، لا بد من استباق الأمور ومعرفة الحدث عندما يصبح فكرة في العقول، حتى نوفر لأنفسنا جاهزية الرد.

نقلا  عن صحيفة البيان الاماراتية