رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إيوان هاريسون وسارة ميتشل يكتبان "الربيع العربي ".. تصادم الديمقراطيات

جولة عربية

الأحد, 01 فبراير 2015 14:05
إيوان هاريسون وسارة ميتشل يكتبان الربيع العربي .. تصادم الديمقراطيات

ينطلق هذا الكتاب من رصد تطورات ومآلات التحولات التي ما برحت تستجد على ساحة الشرق الأوسط على مدار السنوات الأربع الأخيرة، وقد رفعت في معظمها لافتات التغيير وشعارات الديمقراطية،

التي يؤكد مؤلفا الكتاب على أنها مبدأ في الممارسة السياسية تستند، كما هو معروف، إلى تاريخ طويل من الريادة والممارسة التي ترجع في العصر الحديث على الأقل إلى عصر الثورة الفرنسية، وزمن الثورة الأميركية في أواخر القرن الثامن عشر، ومن قبلهما ثورة »أوليفر كرومويل« في إنجلترا خلال أربعينيات القرن السابع عشر للميلاد.
وحين تتحول زاوية الرصد عبر فصول الكتاب إلى أواخر القرن العشرين، يحيل المؤلفان إلى طروحات كل من »فوكوياما« (نهاية التاريخ)، و»هنتنغتون« (صِدام الحضارات)، وصولاً إلى رصد ما أصبح يوصف بأنه ظاهرة »الربيع العربي«، التي تجلت على صعيد منطقة الشرق الأوسط، وكان جوهرها يتمثل في المطالبة بالديمقراطية من خلال تغيير نظم الحكم، وخاصة في تونس ومصر. وهنا، يرى الكتاب أن مثل هذه الظواهر، على فرض نضوجها ونجاحاتها، وهي التي تتمثل تجربة الغرب الأصيلة في الممارسة الديمقراطية وتناضل، كما هو مأمول، لمحاكاة تجربته أيضاً في ترجمة الشعارات الديمقراطية إلى هياكل وبِنَى مؤسسية.
يجمع هذا الكتاب بين أمرين بينهما تناقض صريح لا لبس فيه، أولهما، يتمثل في ما يصفه مؤلفا الكتاب بأنه »انتصار الديمقراطية«، أما الثاني، فتجسده عبارة صاغها تعبير المؤلفيْن أيضاً في كلمتين، هما: غروب الغرب.
وبينما يرتبط الانتصار بداهة بشروق الشمس، فإن الغروب يرتبط خلال مقولات هذا الكتاب بكسوف الشمس، وخفوت أشعتها بعيداً عن التفاعل مع الحياة والأحياء.
وبرغم هذه البدايات التي قد تعكس روح الشعر أو التوجه الرومانسي، إلا أن كتابنا، وهو من تأليف أستاذ وأستاذة من الأكاديميين الجامعيين المتخصصين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وهو ما أتاح لكل منهما ما كان يحتاجه من خبرة ودراية على ما جرى ويجري حالياً في عالمنا من تيارات واضطرابات سياسية، ما زالت كفيلة بتغيير المشهد الوطني- القومي العام في أقطار شتى، وخاصة خلال السنوات القليلة الماضية.
ثم يلاحظ قارئ الكتاب من الإطلالة الأولى على الفصول والصفحات، أن ثمة منطلقاً فلسفياً يصدر عنه المؤلفان. يبدأ مثلاً بأفكار الألماني »عمانويل كانط« (1724- 1804)، ولا يكاد ينتهي عند اثنين من أبرز مفكري زماننا الراهن، وهما »فرانسوا فوكوياما« الياباني الأصل، صاحب مقولة »نهاية التاريخ«، ثم »صمويل هنتنغتون« الأميركي صاحب نظرية »تصادم الحضارات«.
قبل 3 قرون وأكثر
ومن عجب أنك تطالع كلمات »كانط« التي سجلها في عام 1795، فإذا بها تكاد تقارب ما ذهب إليه منذ أيام الستينيات والسبعينيات المفكر الكندي الذي يعدونه رائد التنظير الإعلامي في عصرنا، وهو »مارشال ماكلوهان« الذي ذاعت عنه مقولته التي تجسدها عبارة »إن العالم تحّول إلى حيث أصبح قرية كونية (إلكترونية)«.
هنالك ينقل كتابنا عن »كانط« عباراته التي أوفى عمرها على 320 سنة، وقال فيها: »إن شعوب الأرض دخلت، بدرجات متفاوتة، في إطار مجتمع عالمي، ولقد تطوّر هذا المجتمع الشامل إلى حيث أصبح أي انتهاك للحقوق في جزء من العالم، يسبب شعوراً به في كل مكان آخر«.
إن مؤلفي هذا الكتاب يعتبران هذه المقولة التي صدرت وسط إرهاصات عصر الآلة، زمن الثورة الصناعية، بمثابة التمهيد أو المبرر الحقيقي لاهتمام وانشغال العالم بما كان ولا يزال يجري في مناطق متباعدة شتى، وخاصة في الشرق الأوسط، بكل أهميتها الاستراتيجية التي لا تلبث تنعكس على مصالح الشرق والغرب على السواء.
أما الإحالة إلى نظرية »فوكوياما« في »نهاية التاريخ«، فهي تستلهم مقولاته التي ذكر فيها أن تاريخاً جديداً للعالم قد حانت بداياته مع العقد الأخير من القرن العشرين، وكان المفكر الأميركي المذكور قد توقف ملياً عند صيف عام 1989 على وجه الخصوص، وهو التاريخ الذي شهد، كما هو معروف، انهيار سور برلين الشهير الذي كان يفصل بين ألمانيا الشرقية، ومن ثم المعسكر الشرقي- الشيوعي وبين ألمانيا الاتحادية، ومن ثم المعسكر الغربي الرأسمالي، وبعدها جاء تداعي وزوال الاتحاد السوفييتي،

بعد أن تصدعت ركائزه النظرية التي كانت مستمدة من الأيديولوجية والتعاليم الماركسية التي أوصلتها حالة الدوغما، بمعنى التجمد أو التيبّس العقائدي، إلى حالة أقرب إلى الاندثار.
كل هذه الشواهد أفضت بالمفكر فوكوياما، كما يقول مؤلفا كتابنا، إلى حكاية »نهاية التاريخ« التي يريانها مرادفة لنهاية الأفكار والعقائد وأساليب الحكم المرتبطة بالرؤى والمؤسسات والرموز الديكتاتورية المعادية للديمقراطية بطبيعة الأحوال.
عن تصادم الحضارات
أما عن أفكار »هنتنغتون«، فإن فصول هذا الكتاب وتحليلاته تذهب إلى أن المستقبل لن يشهد ما صاغه المفكر الأميركي في حكاية »تصادم الحضارات«: كتابنا يتصور أن الأمر سيؤول خلال المراحل الزمنية المقبلة إلى ظاهرة مغايرة، يمكن أن تلخصها العبارة التالية: تصادم الديمقراطيات.
والمعنى أن التحولات التي شهدتها السنوات القريبة الماضية، ومنها ما حمل وصف »الربيع العربي«، كفيلة بأن تضع الكثير من شعوب العالم الثالث على نفس الطريق الذي سبقت إليه شعوب العالم الأول، وهنا، يذهب المؤلفان إلى أن الغرب هو الذي ارتاد سبيل الديمقراطية منذ أيام الثورة الفرنسية والثورة الأميركية، ومن قبلهما الثورة الإنجليزية (التي قادها أوليفر كرومويل في أربعينيات القرن السابع عشر)، وهذا النهج الديمقراطي هو الذي قاد دول الغرب وشعوبه في أوروبا وعبر المحيط الأطلسي إلى ما أنجزته في مجالات العلم والتطور والاختراع والإبداع، وقد تجسدت كل هذه الإنجازات بفضل قيام الغرب بترجمة أفكاره وشعاراته إلى مؤسسات وهياكل سياسية حقيقية، وتمتد جذورها عميقاً في تربة المجتمعات الغربية، ثم دخلت هذه المؤسسات حياة تلك الشعوب الغربية على شكل برلمانات ونقابات ومنظمات للمجتمع المدني، تحدوها في هذا كله اجتهادات المفكرين والفلاسفة والمخترعين والمبدعين.
لكن ها هو القرن الواحد والعشرون يأتي ليشهد تراجعاً في الغرب، الذي بدت على مؤسساته علامات الشيخوخة، وإذا كان المفكر الأميركي »هنتنغتون« قد تنبأ بأن المستقبل سوف يشهد صراعات بين »الغرب« و»الآخرين«، وصاغ هذه النبوءة في عبارته الإنجليزية الشهيرة عن الغرب (The West)، مقابل الآخر (The Rest)، فها هو كتابنا يكاد يتجاسر، كما نتصور، لكي يقول إن هذا »الآخر« بدأ في تجاوز مسيرة »الغرب« نفسه، حين عمد إلى استعارة، ومن ثم اعتماد المؤسسات التي أدت إلى تقدم هذا الغرب في سالف الأيام.
الديمقراطية بين المحاكاة والإنضاج
لا يفوت مؤلفا الكتاب أيضاً التنبيه إلى أن الغرب ذاته هو الذي ارتاد هذه الآفاق من التعاليم والطروحات والنظريات والتطبيقات الديمقراطية، وبمعنى أن الغرب يمكن النظر إليه بوصفه »المعلّم« في »مدرسة الديمقراطية«. إن كان للديمقراطية مدرسة من الأساس.
وهنا، يواصل البروفيسور »إيوان هاريسون« وزميلته البروفيسور »سارة ميتشل«، رصد الدلالات التي تفيد بها التحركات والانتفاضات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط بالذات خلال السنوات الأربع الأخيرة، وخاصة في كل من »تونس ومصر«.
على أن التصورات التي طرحها هذان الباحثان في كتابهما، إنما تمثل، في التحليل الأخير، دحضاً أو تفنيداً لنظرية التصادم بين الحضارات التي قال بها، كما أسلفنا »صمويل هنتنغتون«، وهما يذهبان في هذا الخصوص إلى أن صعود أطراف أخرى كانت تنتظر دورها إلى حيث التأثير في الأحداث على المسرح الدولي، لن يشكل بالضرورة صراعاً ولا تصادماً مع القوى الغربية، بل العكس هو الصحيح، لأن صعود تلك القوى النشطة المستجدة على ساحة السياسة الدولية، إنما يرجع، في رأي مؤلفي هذا الكتاب، إلى أن هذه القوى الجديدة عمدت إلى تبني قيم الديمقراطية التي سبق إليها الغرب، ولكن مع التعامل مع تلك القيم والممارسات والأعراف الديمقراطية، لا حسب التطبيقات والأعراف الغربية التي
سبقت في سجل التاريخ، ولكن حسب أبعاد الواقع الوطني والنسق الثقافي القومي، النابع أساساً من قيم المجتمعات التي قررت تغيير أساليب حياتها وأنماط ممارساتها السياسية، طموحاً إلى تطبيق وتفعيل ديمقراطيتها الخاصة بها، مع الحفاظ بداهة على الجوهر الديمقراطي المتمثل عبر التاريخ في مقولة »حكم الشعب بالشعب وللشعب«.
بين الربيع والتراجيديا
ثم يلاحظ قارئ هذا الكتاب لدى المتابعة الموضوعية لآراء وتحليلات المؤلفيْن، أنهما لم يغرقا في دوامات من التفاؤل المرسل أو غير المحسوب: صحيح أنهما يتعاملان بمنطق معقول، من حيث الاهتمام مع التحولات التي شهدتها ساحات من الشرق الأوسط، وخاصة، كما أسلفنا، في »تونس ومصر«، ولكن لا يفوتهما، بحكم موضوعية التحليل ودقة الملاحظة العلمية، أن يتوقفا خلال المواضع المتأخرة من كتابهما عند المحّصلات السلبية التي آلت إليها أحداث أخرى، رفعت منذ بدايتها شعارات التصدي للديكتاتورية، والدعوة بداهة إلى الديمقراطية، ولكن تطورات الفترة الأخيرة، ما لبثت أن كشفت عن نتائج خطيرة، بل فادحة، تحملت مغارمها، ولا تزال، أقطار وشعوب إلى الشرق والغرب من منطقة الشرق الأوسط على السواء، ما بين »سوريا«، إلى »اليمن« إلى »ليبيا«، حيث تحولت التوقعات بانتصار الديمقراطية على نحو ما يعبر عنوان الكتاب إلى تراجيديات سياسية، ما برحت تكابد عقابيلها ملايين البشر من أبناء ومواطني تلك الشعوب.
على كل حال، فإن هذا الكتاب، برغم كل ما عرض إليه من تراجيديا السياسة ومآسي التحول في الشرق الأوسط، يجهد في أن يبشر بمراحل مستجدة في تاريخ الممارسة السياسية في العالم خلال العقود القريبة المقبلة من هذه الألفية الثالثة: فإلى جانب التحليلات التي توقفت ملياً عند ما جرى وما يجري بشأن ما يوصف بأنه »ظاهرة الربيع العربي«، ما بين الصعود والهبوط.

أميركا لن تظل متمتعة بمركز القطب الأحادي
تتردد بين سطور هذا الكتاب، المقولة التي سبق إليها المحلل السياسي الأميركي من أصل هندي »فريد زكريا«، حين أصدر كتابه منذ أكثر من 5 سنوات، تحت عنوان لا تخفى دلالته، وهو: »عالم ما بعد أميركا«، حيث تنبأ بأن أميركا لن يُقيّض لها مع عقود هذا القرن الجديد أن تظل متمتعة بمركز القطب العولمي الواحد أو الوحيد، ولكن سيقدر لأميركا أن تعيش وسط عالم متعدد الأقطاب، حيث يرى »زكريا« أن واشنطن سوف يكون لها حليف قد تستعين به، واسمه »الهند«، بينما سيقدر لها أن تسابق أو تناطح غريماً عفياً ومنافساً لا يشق له غبار اسمه »الصين«.
في هذا السياق، يرى كتابنا أن النظام الدولي المتطور حالياً، من شأنه أن يتيح فرصاً غير مسبوقة من أجل المزيد من الرخاء والسلام والحرية، بما يعني أن العالم لن يشهد ما لخصه »فوكوياما« في كتابه عن »نهاية التاريخ«، بقدر ما قد يشهد بداية مستقبل يتجاوز أسلوب الغرب في ممارسة الديمقراطية، وبناء مؤسساتها وقطف ثمراتها إلى حيث تحقق فوزها المشهود، مقارنة من غروب شمس الغرب، على نحو ما طرحه المؤلفان، كما ألمحنا، في عنوان هذا الكتاب.
وعلى مستوى التطبيق، يرى المؤلفان أن ظاهرة »الربيع العربي« كانت تمثل في جوهرها ومقاصدها الأساسية، عملية سعي نحو الديمقراطية، بمعنى تمكين المواطن العادي البسيط من المشاركة المتكافئة في تشكيل حياته، وفي إدارة الشأن العام على مستوى المجتمع الذي يعيش فيه، ومن ثم، ترتبط أهداف الديمقراطية، كما يتصور الباب الأول من كتابنا، بعملية التطبيع (التفاعل) الاجتماعي، وهي بذلك لا تقتصر على مجرد تحقيق الشعارات السياسية، بقدر ما تتطلع إلى تحقيق غايات وتحريك آليات رئيسة ثلاث، تلخصها فصول الكتاب على النحو التالي:
(1) جهود التحديث الاقتصادي
(2) دعوات وحركات الاعتدال الديني
(3) تفعيل آليات تكنولوجيا المعلومات والاتصال في حياة الناس.
وفي السياق نفسه، يمضي الكتاب ليوضح أن أهم الأدوار المطلوبة مستقبلاً، هو القيام بترجمة هذه الغايات المحورية إلى خطط في مجال التنمية المستدامة، ومن ثم إلى برامج عملية مزودة بالموارد المادية والبشرية اللازمة، ومؤلَّفة من مراحل محددة بجداول زمنية، بحيث يسهل رصد مآلاتها ونتائجها ودروسها المستفادة عند مراحل التنفيذ.

صيحة تحذير عالمية شاملة
يكاد هذا الكتاب يأتي أقرب إلى صيحة تحذير عالمية شاملة، أو نوبة صحيان، كما يقول المصطلح العسكري، حيث ينبه الغرب بالذات إلى أن هناك من يستفيد بتجربته، وهناك من تعلّم من دروس ممارسته ومن يحاكي مؤسساته الديمقراطية من أجل إنصاف المواطن وتكريس ما له من حقوق.
صحيح أن طريق الممارسة طويل وحافل بالعثرات والصدامات، ولكنه واعد في نهاية المطاف، لأنه ببساطة طريق الديمقراطية.

المؤلفان في سطور
يعمل »إيوان هاريسون« أستاذاً مساعداً للعلوم السياسية في واحدة من الجامعات الشهيرة بالولايات المتحدة، هي جامعة »روتغرز«، وكان قد حصل على درجة الدكتوراه في علم السياسة من جامعة »بريستول« عام 1999، وبعدها التحق كباحث شاب في مركز كلية »سانت آن« بجامعة »أكسفورد«.
أما المؤلِفة المشاركة فهي الدكتورة »سارة ماكلوهلن ميتشل«، وتعمل أستاذة للعلوم السياسية وباحثة متفرغة في جامعة »إيوا« الأميركية. وإلى جانب دراساتها الجامعية وبحوثها الأكاديمية، شاركت في تحرير عدد من الدوريات والمجلات المتخصصة. ومنها مثلاً مجلة (فورين بوليسي أناليسيس(.