رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد خليفة يكتب : فرنسا ولعنة التطرف

جولة عربية

الأحد, 18 يناير 2015 15:06
محمد خليفة يكتب : فرنسا ولعنة التطرف

ما أكثر الطعنات التي يتلقاها الإسلام، ممن ينتسبون زوراً إليه، وكم عانى المسلمون ممن يتشبهون بهم، ويعتقدون اعتقادهم، لكنهم يطعنونهم من خلفهم طعنات غادرة، يدفعون ثمنها من دينهم وحريتهم، بل وأرواحهم .

لقد شاءها هؤلاء المتطرفون حرباً دينية عالمية، وشاء محبو السلام أن يجعلوا منها فرصة لزيادة التوادّ والتراحم بين الشعوب المختلفة . وقد كان ذلك عنوان المسيرة المليونية التي حدثت يوم الأحد الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، كردّ فعل على الاعتداء الإرهابي الذي استهدف صحيفة "شارلي إيبدو"، وحضر هذه المسيرة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، ومعه خمسون من قادة مختلف الدول، الذين حضروا ليؤكدوا دعمهم للشعب الفرنسي، ولجميع الشعوب الأخرى في مواجهة العنف الأعمى الذين يريد المتطرفون فرضه على العالم تحت ذرائع واهية، تنطلق من أفكار تعود إلى القرون الوسطى، من دون أن يدرك هؤلاء أن العالم يعيش حقبة جديدة وخطرة من تاريخ الجنس البشري، إنها الحقبة التي أسقطت الإيديولوجيات كافة بكافة مفاهيمها في هذا الوجود .
إن الواقع المعاصر أصبح مهووساً بالتغيير لأنه انتقال مستمر من الذات إلى الغير . فالوجود يستلزم التضاد عنصراً مكوناً لجوهره، ومنطق الوجود في العالم يسير على نحو ديالكتيكي، بمعنى أن السياق المنطقي من الموضوع إلى النقيض، وأن هذا التوتر والتطرف ليست حقائق جوهرية للوجود، بالرغم من أن لعنة التطرف لم تقتصر على العالم العربي والإسلامي، بل امتدت لتطال العالم الغربي، فكانت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة مفصلاً مهماً في التاريخ الحديث، لأنها نبهت العالم أجمع إلى خطورة التطرف، لكن تلك الأحداث لم تكن سوى البداية لصراع أراده المتطرفون - المنتمون اسماً إلى الإسلام - ضد هذه الحضارة الحديثة، وحدثت هجمات إرهابية أخرى في عواصم أوروبية مثل لندن ومدريد . لكن الهجوم الإرهابي الأخير الذي حدث في مقر صحيفة "شارلي إيبدو"، في العاصمة الفرنسية يعد هو الأخطر لأن المسلحين الإرهابيين، الذين تزودوا برشاشات كلاشينكوف وقاذفة صواريخ اقتحموا مقر الصحيفة،

وقتلوا بدم بارد، في مجزرة مروعة لم تشهدها فرنسا منذ أكثر من 40 سنة، 12 شخصاً أمام مقر المجلة . وأفاد بيان أصدره المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية أنه: "عمل بربري بالغ الخطورة، وهجوم على الديمقراطية وحرية الصحافة" .
وأحدث الهجوم إرباكاً لدى المسلمين في أوروبا، لأنه يأتي وسط تصاعد لافت لأحزاب اليمين المتطرف في مختلف دول أوروبا، وهذه الأحزاب تسعى في حال وصولها إلى الحكم، إلى تقييد هجرة المسلمين إلى أوروبا الغربية، بل ونادى بعضهم بطردهم من أوروبا . ومن دون شك، فقد وفر المتطرفون الإسلاميون الذريعة المناسبة لاستمرار صعود أحزاب اليمين، الأمر الذي سيهدد بتغيير وجه أوروبا في القرون القادمة . لكن لماذا استهدف المتطرفون هذه الصحيفة، ولماذا قتلوا 12 شخصاً من المحررين والرسامين فيها؟ إن ذنب هذه الصحيفة أنها نشرت رسماً مسيئاً للإسلام، إلا أنها قبل ذلك نشرت صوراً ساخرة للمسيحية، لكن المسيحيين في فرنسا لم يقابلوا هذه الرسوم المسيئة بنفس رد الفعل الذي قام به المتطرفون، بل تغاضوا عن الأمر في إطار حرية التعبير، وبطبيعة الحال لا نتفق كمسلمين مع نهج الجريدة بالتطاول على قدسية الأديان والنيل من رموزها من منطلق حرية الرأي المكفولة لهم بموجب القانون الفرنسي، إلا أن رد فعل هؤلاء المتطرفين فاق كل حد، وتجاوز المعقول خاصة في أوروبا، لأن الدين لم يعد المحرك الأساسي لشهوة الفرنسيين والأوروبيين للقتل، فالحرب الدينية انتهت من قاموس الشعوب الغربية، فهذه الشعوب تعيش الحداثة بكل ما في الكلمة من معنى، الحداثة التي تعني تفكيك المعتقدات والعادات والتقاليد، وإطلاق الحرية للإنسان أن يفكر كيفما يشاء من دون خوف من رقيب أو حسيب، والنزعة إلى تحطيم التقاليد والسعي
إلى تحقيق المثل الإنسانية النبيلة .
فالنزعة الإنسانية الأوروبية تقوم في جوهرها على أساس الشعور العالي بأن العالم الإنساني الحقيقي يقوم في الاستقلال المطلق للعقل . أما المسلمون الذين أصيبوا بانفصام عن واقعهم، فهم مازالوا يعيشون في عصر الظلام والإيمان الأعمى، ومازالوا يؤمنون بالعقل الإسكولائي التائه في الديالكتيك والأقيسة العميقة . والمحنة أن قسماً من المسلمين الذين ولدوا في أوروبا لم يستطيعوا الاندماج في الحضارة الغربية، بل اتجه بعضهم نحو التطرف كرد فعل منهم ضد الحداثة . وقد لعب المتطرفون في أوروبا دوراً سلبياً من خلال تجنيد الإرهابيين وإرسالهم إلى مواضع القتال في العراق وسوريا للانضمام إلى صفوف "داعش"، وفككت الحكومات الأوروبية عشرات الشبكات الإرهابية، لكن رغم ذلك ظل هناك من المتطرفين من يستطيع نشر الفوضى والخوف بين الأوروبيين .
إن أوروبا الغربية التي عادت الأوطان العربية والإسلامية قبل القرن العشرين، واحتلت معظم أراضيه في القرنين الماضيين، أصبح يسكن فيها اليوم ما يزيد على 15 مليون مسلم من مختلف دول العالم الإسلامي . وقد سمحت دول أوروبا لهؤلاء بأن يبنوا المساجد في قلب روما وعلى مقربة من الفاتيكان، وأن يقيموا شعائرهم ومناسباتهم الدينية، حاصلون على حقوقهم كاملة، يعاملون باحترام، تراعى واجباتهم الشرعية في المقرات الحكومية وفي ثكنات الجيش، تهيئ لهم الأماكن المناسبة لإقامة الفرائض، وتراعى أوقاتهم في شهر رمضان، أيام أعيادهم، قانون يكفل لهم حقوقهم من دون تمييز وقضاء عادل، لكن بعض مسلمي الفتنة في أوروبا لم يقدروا هذه النعم، فاتجهوا نحو التطرف وارتكبوا المجازر التي روعت شعوب أوروبا .
إن المسلمين المسالمين أول من سيجني شؤم سلوك هؤلاء المتطرفين، كما أن الدول العربية والإسلامية ستدفع ثمناً كبيراً في المستقبل، لأن وصول اليمين المتطرف إلى الحكم في بعض دول أوروبا، سيؤدي إلى توتير العلاقات مع العالم العربي والإسلامي، وهكذا قد نشهد العودة إلى الوراء، فرغم أن شعوب أوروبا قد ابتعدت عن الدين، لكنها ستنهض من جديد، متسلحة بعقائد قومية وعنصرية، لا تترك مجالاً للآخر كي يعيش بأمن وسلام . والنازيون الجدد الذين يلوحون بأعلامهم في دول غربية عديدة هم أشد خطراً من النازيين القدماء، وإذا كان النازيون القدماء قد وجهوا عداءهم ضد اليهود في ألمانيا وأوروبا، فإن عداء النازيين الجدد سيكون متجهاً بالدرجة الأولى، ضد المسلمين في أوروبا حتى تعود تلك القارة خالية من البرابرة المتوحشين، وأصحاب الإيديولوجيات، والتصورات المشوهة، التي لا تتفق مع المبادئ العقلانية كما يزعم الغربيون .
نقلا عن صحيفة الخليج