رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رغيد الصلح يكتب: في خدمة الإرهابيين

جولة عربية

الجمعة, 19 ديسمبر 2014 12:12
رغيد الصلح يكتب: في خدمة الإرهابيين

على الرغم من التطورات العالمية الجديرة بتحول الاهتمام الدولي عن تقرير الكونغرس الأمريكي المتعلق بأعمال وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في حقل جمع المعلومات ومكافحة الإرهاب الدولي، فإن الكثيرين يتابعون هذه القضية باهتمام شديد.

في الولايات المتحدة نفسها وجد البوشيون في هذه القضية حافزاً للتجمع من جديد وللدفاع عن أنفسهم . فالتقرير يركز على نقد نشاطات الاستخبارات الأمريكية خلال عهد جورج بوش بصورة خاصة . بالمقابل وجد الديمقراطيون في هذه القضية مجالاً مناسباً للتنديد بمنافسيهم انطلاقاً من الربط بين الجمهوريين وبين الأخطاء التي ارتكبتها المخابرات المركزية إبان ولاية جورج بوش . إضافة إلى الجدل الداخلي الذي خيم على أوساط سياسية واسعة، فإن الاهتمام بالقضية انتقل إلى العديد من البلدان الأخرى .
في سياق ملاحقة هذه القضية ومتابعة تداعياتها، طرحت أسئلة جديدة - قديمة حول الجوانب الأخلاقية التي يثيرها التعذيب الذي مارسته "المخابرات المركزية" مع المتهمين . فلقد استخدم المحققون شتى أنواع التعذيب التي وصلت إلى حد تهديد المعتقلين بارتكاب أعمال العنف المخجل ضد أقاربهم إذا امتنعوا عن الإدلاء بالمعلومات المطلوبة . وتتعارض هذه الضغوط وأعمال التعذيب بصورة صريحة مع المادة الخامسة من شرعة حقوق الإنسان التي تنص على أنه "لا يجوز تعريض أي إنسان للتعذيب وللعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية الماسة بالكرامة"، كما تتعارض أيضاً مع نصوص اتفاقية مناهضة التعذيب التي أقرتها الأمم المتحدة وأصبحت سارية المفعول منذ عام 1987 .
دون الخروج عن الإطار الأخلاقي للبحث، يقول البعض إنه يتفق تماماً مع المبادئ السامية التي تمنع التعذيب والتي تنطلق من الحرص على حرية البشر وأمنهم وسلامتهم . ولكن كما تساءل أحد محرري صحيفة "الغارديان" البريطانية المعبرة عن يسار الوسط، ما العمل إذا توصلت أجهزة الاستخبارات إلى أن إرهابيين قد زرعوا قنبلة ذرية في مكان ما من البلاد، وأن هذه القنبلة سوف تنفجر خلال ساعات قليلة فتذهب بحياة مئات الألوف من البشر؟ وكيف يتصرف رجال الاستخبارات والمحققين إذا كان أحد زارعي هذه القنبلة موقوف لديهم وهو على بينه بمكان القنبلة؟ هل يكتفون باستنطاقه عبر الوسائل

السلمية أم يمارسون عليه شتى أنواع الضغط الجسدي حتى يرشدهم إلى القنبلة فيسمح بتعطيلها؟
تجيب اتفاقية مناهضة التعذيب عن مثل هذا السؤال بالتأكيد أنه "لا يجوز التذرع (كحجة لممارسة التعذيب) بأية ظروف استثنائية أياً كانت، سواء كانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديداً بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي، أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى" . إن هذا الموقف سليم من حيث المبدأ، ولكن هل يمكن اقناع المواطن في لندن أو برلين أو موسكو أو القاهرة أو بغداد أو بيروت بأن المحققين لا يملكون مخالفة هذا المبدأ؟ هل يكون التمسك بهذا المبدأ سليماً من الناحية الأخلاقية، أم مخالفاً لهذا المعيار؟ أم أن سلامة عشرات أو مئات الألوف من البشر الأبرياء تفوق أهمية سلامة متهم واحد؟
إلى جانب هذه المعضلة الأخلاقية يطرح الجدل الذي أثاره تقرير الكونغرس سؤالاً آخر يتعلق بفاعلية التعذيب . "المخابرات المركزية" تقول إن التعذيب، أو حتى التلويح به، مكن المؤسسات الأمنية في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى من العالم من إفشال العشرات والمئات من أعمال الإرهاب . ولكن هناك تقارير متعددة تنقض هذا التقييم . هذه التقارير تشير إلى عشرات ومئات الهجمات التي شنها الإرهابيون من دون أن تنجح الأجهزة التي تمارس التعذيب في تقديم معلومات كافية إلى المؤسسات الأمنية المسؤولة لكي تحول دون تنفيذ هذه الهجمات . إضافة إلى ذلك تقول مثل هذه التقارير إنه في أكثر الحالات، فإن تعذيب المعتقلين والمتهمين لم يمكن الأجهزة التي تمارسه من التوصل إلى حقائق ومعلومات جديدة . أخيراً لا آخراً يشير ناقدو "المخابرات المركزية" إلى أن التعذيب كثيراً ما دفع المتهمين إلى الإدلاء بمعلومات كاذبة لمجرد الرغبة في الخلاص من التعذيب .
إذا صحت الانتقادات الموجهة إلى أساليب التعذيب التي يمارسها
المحققون، فما هو البديل عن استخدام هذه الأساليب؟ وكيف يمكن تطوير وسائل الكشف مسبقاً عن الأعمال الإرهابية وتخليص الألوف من البشر من شرورها؟ إن الإيحاء بأن التعذيب "شر لا بد منه" وإن الغاية الإنسانية السديدة تبرر مثل هذه الوسيلة هو مخالف للحقائق وللتجارب وللتاريخ . فهناك طرق عدة يمكنها التوصل إلى هذه الغاية، ولكن الحكومات التي تمارس التعذيب على النحو الذي تمارسه "المخابرات المركزية"، وتسعى في نفس الوقت إلى إضفاء الطابع الأخلاقي عليه، تضعف الحرب ضد الإرهاب بدلاً من تعبئة الطاقات البشرية ضد شرور الإرهابيين ومشاريعهم . وكبديل عن هذا الطريق يقترح البعض تطوير وتنمية وسائل التحقيق مع المتهمين .
يقدم البعض "امتحان كشف الكذب"، أو ما يدعى "بالبوليغراف" كوسيلة من الوسائل التي يمكن للمحققين استخدامها في تحقيقاتهم . إن هذه الوسيلة ليست مضمونة النتائج وهي تقتصر على التمييز بين الأجوبة الصادقة والكاذبة التي يدلي بها المتهم أثناء التحقيق معه . وتسمح هذه الإمكانية للمحقق أن "يحاصر" المتهم وأن يضيق عليه فكرياً ونفسياً وأن يجرده من القدرة على التحايل وتضليل المحقق، ولكنها لا تقدم ضمانة للوصول إلى الحقائق إذا رفض المتهم الإجابة عن الأسئلة .
إن أهمية "امتحان كشف الكذب" تكمن في أنه يقدم نموذجاً على الوسائل غير العنيفة البعيدة عن التعذيب التي يمكن أن تستخدم في الوصول إلى بعض المعلومات عبر التحقيق مع المتهمين . وحيث إنه لا يزال في مراحله الأولية، فإن نتائجه لا تؤخذ في سير التحقيقات في بعض الدول مثل الولايات المتحدة . ولكن هذا الامتحان يبدو مفيداً كفاية في بعض الدول الأخرى المتقدمة مثل اليابان حيث يعتمد في المحاكمات وأمام المحاكم . ولا ريب أنه إذا كان من ثغرات في هذه الوسيلة فإنه من المستطاع تطويرها جنباً إلى جنب مع عدد من أدوات التحقيق السلمي التي يمكن المحققين من اقتحام عقل المتهم وذاكرته ومخيلته للوصول إلى الحقائق . ولكن حتى هذا التاريخ، وعلى الرغم من إعلان الحرب على الإرهاب، فإنه كما جاء في كتاب "استنتاج المعلومات: التحقيق علم وفن" فإن علم وفن التحقيق السلمي لم يتقدم بعد . وكما لاحظ المحقق الأمريكي ستيفن كلاينمان، وهو ضابط أمريكي شارك في التحقيق مع المتهمين في العراق، ولكنه أثار ضجة كبرى عندما عارض أساليب التعذيب التي مورست ضد العراقيين، فإن الاعتماد لا يزال على أساليب التحقيق البدائية التي تعتمد العنف والتهديد وإذلال المتهمين . إن هذه الأساليب هي، في نهاية المطاف، الحليف الأقوى للإرهاب وللإرهابيين، بينما يدعي القائمون بها والمروجون لها، أي لهذه الأساليب أنهم يحاربون الإرهاب .
نقلا عن صحيفة الخليج