رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

السيد يسين يكتب : حضارة العولمة وتحديات التنمية الثقافية

جولة عربية

الخميس, 18 ديسمبر 2014 15:47
السيد يسين يكتب : حضارة العولمة وتحديات التنمية الثقافيةالسيد يسين


ليس هناك خلاف حول أننا نعيش منذ عقود عصر العولمة بتجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاتصالية. أصبحت العولمة في الواقع تملأ الدنيا وتشغل الناس. وهي عبارة كثيراً ما استخدمتها لوصف المشهد العالمي الراهن.

ومنذ ظهور العولمة - باعتبارها عملية تاريخية كبرى هي نتاج عملية تراكم استمرت قروناً في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة، والخلاف يحتدم حولها من زاوية تعريفها وتاريخ نشأتها وسلبياتها وإيجابياتها. دراسات ومقالات وكتب لا نهاية لها نشرت مع العولمة أو ضدها. غير أن مسيرة العولمة – على رغم كل هذا الجدل الفكري – ماضية في طريقها!
ولكن ذلك لا يعني أن مسيرة العولمة تسير بسلاسة ومن دون مشاكل، لأن الواقع يقرر أن مسيرتها متعثرة، لسبب بسيط هو أن القوى الصناعية الكبرى هي التي تتحكم في توجهاتها لكي تجني من ورائها كل المكاسب، على حساب الدول النامية. ولذلك تدور الآن داخل منظمة التجارة العالمية معركة كبرى بين أنصار السوق الحرة وتحرير التجارة المطلق، وبين أنصار التقييد النسبي لهذه الحرية حفاظاً على مصالح الدول النامية.
وأياً كان الأمر، فإنه يمكن القول إن للعولمة تجليات متعددة سياسية واقتصادية وثقافية واتصالية. وكل هذه الأبعاد لا يمكن أن تحدث آثارها الإيجابية إلا إذا كانت المجتمعات على درجة معقولة من الوعي الاجتماعي، وتتسم بالانفتاح الثقافي، والقابلية للتعلم من خلال التفاعل الإيجابي الخلاق مع العالم.
وتتمثل التجليات السياسية للعولمة في الديموقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان.
والديموقراطية - أياً كانت النظرية التي ستقوم عليها - لا يمكنها أن تؤتي ثمارها في مجال إعطاء الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للمواطنين إلا إذا كان المستوى التعليمي والثقافي في المجتمع مرتفعاً.
بعبارة أخرى، إذا كانت ظواهر التخلف الثقافي بكل أبعاده سائدة، فإن ذلك يعد من أكبر العوائق في وجه تطبيق الديموقراطية، حتى لو صدقت نيات أعضاء النخب السياسية الحاكمة في أن يطبقوا كل قواعد الديموقراطية بنزاهة وشفافية.
وعلى سبيل المثال حين تصل معدلات الأمية في العالم العربي إلى حوالى 40 في المئة من عدد السكان، فإن ذلك في حد ذاته يعد من أكبر العوائق في سبيل تحقيق الديموقراطية الشاملة.
فالمواطن الأمي عادة ما يكون عاجزاً عن الاختيار الرشيد بين برامج المرشحين، وهو أيضاً بحكم ضعف موقفه الثقافي – إن صح التعبير – قد لا يكون محصناً ضد

محاولات شراء صوته في الانتخابات النيابية، ما يؤثر في النهاية في سلامة عملية اختيار ممثلي الشعب.
من ناحية أخرى، يؤدي انخفاض المستوى التعليمي للمواطنين إلى عدم معرفتهم حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى يدافعوا عنها بإتباع الوسائل المشروعة وفقاً للدستور والقانون. وهذا من شأنه أن يضعف مواقفهم التفاوضية سواء مع أجهزة الدولة المختلفة أو مع ممثلي القطاع الخاص.
وإذا كان احترام التعددية هو إحدى القواعد الاساسية للديموقراطية، والتي هي النظام السياسي الأمثل الذي استقر الرأي عليه في عصر العولمة، فمعنى ذلك ضرورة احترام الخصوصيات الثقافية لبعض شرائح المجتمع التي قد تكون مختلفة في الدين أو في اصلها العرقي.
ونأتي الى أخطر شعارات العولمة وهو ضرورة احترام حقوق الإنسان. وفي هذا المجال، تدور معركة كبرى على مستوى العالم وعلى صعيد الانظمة الإقليمية والمجتمعات المحلية على السواء.
هناك ضغوط دولية ومؤسسات حكومية وجمعيات أهلية تركز تركيزاً شديداً على احترام حقوق الإنسان، وتتجه إلى ضرورة ممارسة الضغوط على الانظمة السياسية والحكومات التي تخرق هذه الحقوق.
ويمكن القول إن هناك معركة كبرى تدور الآن بين هذا التوجه العالمي وبين الأنظمة الشمولية التي تخرق حقوق الإنسان وتقاوم هذه الضغوط الدولية. غير أن لا بد لنا من أن نلتفت إلى خطورة ظاهرة الازدواجية الأخلاقية في مجال تطبيق معايير حقوق الإنسان والتي تمارسها الدول الغربية.
ومشكلة تطبيق حقوق الإنسان التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 وما تلاه من اتفاقيات دولية أنه يفترض من ناحية التزاماً من الحكومات بتطبيق الاتفاقيات والمعاهدات التي وقّعت عليها من ناحية، وثقافة سائدة في المجتمع تجاه هذه الحقوق.
وعلى رغم التقدم النسبي في مجال حقوق الإنسان الذي حدث في بعض البلاد العربية ومؤشراته - كما هو الحال في مصر – إنشاء مجالس قومية لحقوق الإنسان، إلا أن المشكلة تتمثل في عدم انتشار ثقافة حقوق الإنسان. بعبارة أخرى، ليست لدى غالبية المواطنين فكرة دقيقة عن حقوقهم القانونية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي ينص
عليها الدستور ومختلف التشريعات.
من هنا، فإن نشر ثقافة حقوق الإنسان التي ينبغي أن تقوم بها منظمات حقوق الانسان في الدول العربية يعد عملية أساسية في هذا المجال، فمن دون نشر هذه الثقافة يمكن أن يتعطل تطبيق الكثير من النصوص الخاصة بحقوق الإنسان.
بعبارة أخرى، من الأهمية بمكان رفع مستوى ثقافة الجماهير، وتأكيد مبدأ المواطنة الذي يكفل عدم التمييز في تطبيق القانون.
وللعولمة تجليات اقتصادية تبدو أساساً في منظمة التجارة العالمية التي نشأت لكي تحرس مبدأ حرية السوق وحرية التجارة وفتح الباب أمام التنافس العالمي.
وبغض النظر عن مشكلة بعض نصوص المعاهدة التي قامت المنظمة على أساسها، والتي تميل إلى الانحياز الى الدول الصناعية المتقدمة، فإن التنافس العالمي بين الدول وفتح الباب للاستيراد والتصدير بلا قيود، يفترض ارتفاع مستوى جودة المنتجات الوطنية. وهذه الجودة تفترض أوضاعاً اقتصادية وثقافية بالغة الأهمية لأن «ثقافة الجودة» – لو صح التعبير - ليست سائدة حتى الآن في المجتمع العربي.
والجودة في إنتاج السلع تفترض شروطاً متعددة أهمها التفاعل الخلاّق مع التكنولوجيا العالمية، والقدرة على توطينها، بل والإبداع في مجالها. ومن ناحية أخرى، لا بد من ارتفاع المستوى المهني للقوى البشرية العربية، من ناحية التعليم والتدريب والخبرة.
وفي هذا المجال بالذات، لدينا قصور شديد. ذلك أن انظمة التعليم في حالة تدهور شديد، سواء التعليم العام أو التعليم الأساسي. ولذلك فالمتعلمون تعليماً صورياً يرفضهم سوق العمل. ومن ناحية أخرى، هناك تقصير شديد في تدريب القوى العاملة وإعطائها الخبرة اللازمة لكي ترقى إلى مستوى مثيلاتها في البلاد الأجنبية. غير أن أخطر من ذلك كله أنه ليست هناك ثقافة سائدة في المجتمع تتعلق بالاتجاهات الإيجابية إزاء العمل والالتزام به وتجويده.
هناك صيحات عالية حول رفع مستوى الأجور والحوافز، والعاملون على حق في ذلك، غير أنهم لا يقومون بواجباتهم التي تتمثل في العمل الجاد المثمر المتواصل، نتيجة ضعف ثقافة الالتزام بأخلاقيات العمل.
ولو ألقينا نظرة مقارنة على الدول الآسيوية، لاكتشفنا أنه تحت تأثير ما يطلق عليه «القيم الآسيوية»، فإن العمل في هذه الدول عبادة والالتزام بأدائه بمنتهى النظام والدقة والكفاءة معلم أساسي من معالم القوى البشرية الآسيوية.
وذلك بالإضافة – طبعاً - الى الخطط التنموية المدروسة والطموحة، والقدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية، والإبداع التكنولوجي، والبحث العلمي المتكامل. وهكذا يمكن القول إن ظاهرة العولمة مركبة، يختلط فيها السياسي بالاقتصادي بالثقافي.
غير أن العوامل الثقافية حاسمة في مجال القدرة على تعامل المجتمعات مع التنافس العالمي الذي تدعو اليه العولمة. بعبارة أخرى، إذا كان مجتمع ما كالمجتمع العربي مصاباً بآفة التخلف الثقافي لأسباب متعددة، فيمكن القول إننا لا نستطيع أن نعبر جسر التخلف من دون ثورة ثقافية كبرى.
بعبارة موجزة، من دون تعليم متطور، ومن دون وعي اجتماعي جماهيري لن تستطيع العولمة الوفاء بوعودها في تحقيق السعادة للبشر في ظل تنمية مستدامة وشاملة.
نقلا عن صحيفة الحياة