رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د . محمد السعيد إدريس "داعش" ومستقبل الصراع العربي الصهيوني

جولة عربية

الأحد, 14 ديسمبر 2014 11:01
د . محمد السعيد إدريس داعش ومستقبل الصراع العربي الصهيوني

في إطار أولوية مشروع تأسيس وإقامة "داعش" من الضروري أن نسأل عن موقع الصراع العربي الصهيوني ضمن هذا المشروع، وأن نبحث عن أي مستقبل ينتظر هذا الصراع ضمن مسار تطور مشروع "داعش"، فدراسة مشروع هذا التنظيم وأولوياته تكشف، بل وتؤكد، أنه مشروع داعم للمشروع الاستيطاني الصهيوني لأسباب ثلاثة رئيسية:

أول هذه الأسباب أنه مشروع ينحرف بأولوية ومكانة قضية فلسطين كقضية مركزية عربية، حيث تتدنى أولوية هدف تحرير فلسطين وخوض الصراع ضد الكيان الصهيوني في مشروع "داعش"، فرأس أولوياته هو هدف إقامة ما يسمى "دولة الخلافة" بكل ما يعنيه وما يتطلبه تحقيق هذا الهدف من مهام، أبرزها بالطبع تدمير وهدم الدول العربية والإسلامية القائمة باعتبارها دولاً كافرة، كي تقوم على أنقاضها دولة الإيمان والإسلام، أي دولة الخلافة، وبعدها تأتي أولوية أخرى هي محاربة الكفار، والمعني هو الدول غير الإسلامية وفي مقدمتها الدول الغربية الأوروبية والأمريكية، وفي نهاية المطاف، وربما في آخر الزمان، تأتي المعركة مع "اليهود" .
مشروع "داعش" أسسه أبو مصعب الزرقاوي، عندما أعلن تمرده على تنظيم "القاعدة"، وتأسيس تنظيم "دولة العراق الإسلامية" ومعه رفيقه أبو عمر البغدادي . وبسبب تأسيس هذا التنظيم دخل الزرقاوي في مشكلات هائلة فقهية وتنظيمية مع أسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة" إلى أن اغتاله الأمريكيون عام 2006 . مضمون تلك الخلافات والمشكلات، أو على الأقل بعضها، ورد في العدد الأول من مجلة "دابق" التي يصدرها تنظيم "داعش" باللغة الإنجليزية، حيث جاء التأكيد على أن الزرقاوي مهّد الطريق لقيام "داعش"، وبعد اغتياله أعلن أبو حمزة المهاجر وأبو عمر البغدادي قيام "الدولة الإسلامية في العراق"، وكان أبو عمر أميرها، ومن بعده تولى أبوبكر البغدادي زعامة هذا التنظيم الذي تأسس على نقيض من أولويات تنظيم "القاعدة" .
فقد استمد البغدادي فكرة بناء "الدولة الإسلامية" من الأسس ذاتها التي سبق أن صاغها واعتمدها الزرقاوي وأبو عمر البغدادي، وكان

الزرقاوي قد وعد بإقامة "الإمارة الإسلامية"، وعرض المراحل التي ستعبرها "أولاً ستقوم بإزالة العدو (والعدو هنا هو النظم والدول العربية والإسلامية التي يراها كافرة) ومعها سلطات الطغيان الفاسدة التي تقف حجر عثرة أمام هدف إقامة "داعش"، وثانياً: تقيم الدولة الإسلامية، أي أن الهدف له الأولوية، ومن بعده يأتي هدف البناء، أي بناء دولة الخلافة على أنقاض ما يراه من دول كافرة . وثالثاً: "ننطلق خارجاً للاستيلاء على بقية الدول الإسلامية"، أي "هدف التمدد"، ورابعاً: "بعد ذلك نقاتل الكفار"، وأخيراً "قتال اليهود" . وهنا يكمن المفترق مع القاعدة التي تعطي الأولوية لقتال الكفار، ثم اليهود، أو ومعهم اليهود، وترجئ أولوية هدف إقامة دولة الخلافة الإسلامية إلى ما بعد إنجاز تلك المهام .
بهذا الوضوح نستطيع أن نؤكد أن فلسطين وتحرير فلسطين ليس ضمن أولويات "داعش"، هي بالتحديد هدف نهاية المطاف بعد إسقاط دول الكفر وإقامة "دولة الخلافة"، وبعد التمدد لضم العالم الإسلامي إلى تلك الدول، وبعدها يأتي هدف مقاتلة الكفار وأخيراً محاربة اليهود . فحسب تفكير "داعش" لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، أي أن أمر مقاتلة اليهود مرجأ إلى ما قبل قيام الساعة . ففي العدد الثاني من مجلة "دابق" كشف التنظيم عن بعض مؤشراته أو تقديراته إزاء تطورات الصراع الحالية مع الكيان الصهيوني جاء ما نصه: "بالنسبة للمذابح التي تجري في قطاع غزة، فإن أعمال الدولة الإسلامية تتحدث بصوت أعلى من كلماتها، وأنها ليست سوى مسألة وقت قبل أن نصل فلسطين لمحاربة اليهود البربريين"، لكن "داعش" ترى في الوقت نفسه أن دعوة كل من السلطة
الفلسطينية وحركة "حماس" إلى انتخابات تشريعية "نوع من أعمال الردة" .
السبب الثاني، أن مشروع "داعش" الذي يجعل أولى أولوياته إسقاط الدول العربية وتدميرها باعتبارها "دياراً للكفر" لا يمكن اعتباره إلا مشروعاً تكميلياً للمشروع الصهيوني ولا يقل خطورة عنه، لأن تدمير الدول العربية بدافع من إسقاط دول الكفر معناه تدمير القدرات العربية العسكرية والاقتصادية والبشرية وتحويلها إلى ركام من الدمار يصعب تصور إمكانية إعادة إحيائه لمقاتلة "الإسرائيليين" لا في المدى المتوسط أو البعيد . معناه أيضاً تمكين الكيان الصهيوني ليس من فرض سيطرته وهيمنته على كامل أرض فلسطين، بل وتمكينه أيضاً من فرض سيطرته وهيمنته على كل الدول العربية، وأن يتحول إلى قوة مهيمنة إقليمية، وإطلاق المشروع الذي يرمي إلى تدمير وتفكيك الدول العربية إلى دويلات وكيانات عرقية وطائفية، ولنا بما يحدث لسوريا أرضاً وشعباً وقدرات، وما يحدث في العراق أيضاً من تدمير وإطلاق للمشروع الطائفي التقسيمي، ما يؤكد أن مشروع "داعش" ينافس في خطورته المشروع الصهيوني .
السبب الثالث، يرجع إلى تناغم وانسجام مشروع إقامة "داعش" مع المشروع الصهيوني لفرض "إسرائيل" دولة يهودية، فأولوية حكومة نتنياهو هي إقامة الدولة اليهودية وفرض مشروع "دولة واحدة لشعب واحد"، أي فرض أن تكون دولة فلسطين كاملة من البحر إلى النهر دولة واحدة موحدة للشعب اليهودي من دون غيره، ما يعني في النهاية نعي مشروع حل الدولتين الذي هو أساس ما يروّج له زيفاً باسم السلام .
مشروع "داعش" التقسيمي الطائفي، ومحاولة إثارة فتنة مذهبية في العراق، وما يحدث الآن في شمال سوريا من تحرك لفرض دويلة كردية في الشمال، ينسجم مع المشروع الصهيوني في ثوبه "الليكودي" القائم على مفهوم الدولة الدينية . "داعش" تطلق مشروع الدولة الدينية السنية وتعطي الفرصة لفرض الدولة الشيعية في جنوب العراق، والدولة الكردية في شمال العراق وشمال سوريا، وفي الوقت ذاته يتحرك نتنياهو لفرض "إسرائيل" دولة يهودية .
نتنياهو من خلال إصراره على "يهودية الدولة" يريد أن يقول إنه "ليس هناك شيء اسمه القضية الفلسطينية، وإن وجدت فإنها ليست السبب في ما يجري في الشرق الأوسط من صراعات، وإن الصراعات هي وليدة إفراز مجتمعاتها ودولها "الفاشلة"، ولأنها غير ديمقراطية ومستبدة" .
يقول نتنياهو ما يشاء، لكن المهم أن ما يقوله ويفعله يتطابق تماماً مع مشروع "داعش" في هدم الدول وإقامة نظام بديل هو نظام "الخلافة الإسلامية" .
نقلا عن صحيفة اخليج