رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د . محمد السعيد إدريس يكتب : روسيا وإيران واختبار “مكانة القوة”

جولة عربية

الثلاثاء, 04 نوفمبر 2014 11:23
د . محمد السعيد إدريس يكتب : روسيا وإيران واختبار “مكانة القوة”

عندما سقط الاتحاد السوفييتي وانهار حلف وارسو عام 1991 كان القرار الأمريكي الذي صدر في ذلك الوقت ضمن وثيقة سرية شديدة الأهمية أعدتها وزارة الدفاع الأمريكية، وكشفتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية هو: ألا تعود روسيا، التي ورثت الاتحاد السوفييتي، كقوة قادرة مرة أخرى على منافسة الولايات المتحدة، وأن تكون قادرة على أن تتحول إلى مصدر تهديد للولايات المتحدة .

التقرير المشار إليه كان يتضمن توصيات أخرى بخصوص الاتحاد الأوروبي واليابان تتعلق كلها بمتطلبات فرض الولايات المتحدة قوة عالمية أحادية مسيطرة، لكن ما حدث على مدى عقدين من الزمن تقريباً كان على عكس كل ما خططت له الولايات المتحدة بخصوص النظام العالمي الأحادي القطبية وامتلاك القدرة على التحكم في مقدرات القوى الأخرى المنافسة .
فروسيا عادت قادرة على المنافسة على الزعامة العالمية، وظهر المارد الصيني قوياً اقتصادياً وعسكرياً وقادراً هو الآخر على المنافسة، وإلى جانب روسيا والصين ظهرت قوى إقليمية بازغة فرضت نفسها بقوتها الاقتصادية ومكانتها ونفوذها الإقليمي كشريك قوي ومؤثر في القرار الدولي، لكن الأهم هو ما يؤكده الخبراء من "أفول للقوة الأمريكية"، وظهور مؤشرات قوية تؤكد أن النظام أحادي القطبية لم يعد له وجود فعلي، وأن العالم، وإن كان قد بدأ يعيش عصر "نظام لا قطبي" على نحو ما كشف ريتشارد هاس رئيس المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية ورئيس تحرير مجلة الشؤون الخارجية "فورين أفبرز" الأمريكية في أحدث مؤلفاته بعنوان "السياسة الخارجية تبدأ من الداخل" فإن العالم لم يعد مسيطراً عليه من جانب قوة عظمى واحدة، وأن النتيجة الأساسية لذلك بالنسبة إلى مستقبل العلاقات الدولية في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين من وجهة نظره تتمثل في "النظام اللاقطبي" . لكن الحقيقة تقول أيضاً إن النظام اللاقطبي هذا في ظل تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية وأزمة "عدم تجانس المكانة" التي تواجه القدرات الشاملة الأمريكية أي عدم تجانس القوة العسكرية بالقوة الاقتصادية من ناحية، في ظل صعود قدرات القوى العالمية المنافسة خاصة الصين وروسيا والهند، من ناحية أخرى، فإن النظام متعدد الأقطاب سوف يفرض نفسه حتماً .
هذه القناعة تواجه اختباراً مهماً هذه الأيام في

ظل ما تعانيه روسيا من أزمة اقتصادية من المرجح تصاعدها بسبب الانهيار الحادث في أسعار النفط، لذلك هناك سؤال مهم يفرض نفسه الآن يقول: إذا كانت العودة الروسية للمنافسة على الزعامة العالمية كانت نتيجة ما حققته موسكو من تقدم اقتصادي على غير المتوقع لأسباب كثيرة، كان من بينها ارتفاع أسعار النفط والغاز، وبالتالي ارتفاع مردود روسيا من متحصلات صادراتها الهائلة، فهل يمكن أن يؤدي الهبوط القوي في أسعار النفط إلى تراجع القوة الروسية ومن ثم تراجع قدرة روسيا المنافسة على الزعامة العالمية، وعرقلة الطموح لتأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب؟
لقد ارتفعت نسبة الصادرات الروسية من النفط والغاز من مجمل الصادرات الروسية من 33% سنة 1994 إلى 61% في النصف الأول من العام الجاري (2014)، وفاقت عائدات روسيا من صادرات النفط ومشتقاته ومن الغاز الطبيعي في الفترة الممتدة من عام 2000 - 2013 مبلغ 2 .3 تريليون دولار أمريكي، بينما كانت في الفترة من 1992 - 1999 نحو 200 مليار دولار فقط، هذه الطفرة في العائدات كان لها دور رئيسي في تمكين القيادة الروسية من إعادة لملمة شتات الدولة الروسية، وتمتين تماسكها السياسي وقدراتها العسكرية، وتحديث هياكلها الاقتصادية، والانطلاق مجدداً نحو آفاق استعادة الدور السياسي العالمي . فمن ناحية ارتفع ترتيب الاقتصاد الروسي من الترتيب الخمسين عام 2000 إلى الترتيب السادس عام ،2011 واستطاعت روسيا أن تتخلص من الجزء الأكبر من أعباء ديونها التي كانت قد بلغت عام 1999 نحو 138 مليار دولار أي ما كان يوازي 78% من الناتج القومي .
هذه النجاحات الكبيرة تواجه الآن تحديات خطيرة بسبب هبوط أسعار النفط إلى ما يزيد على عشرين في المئة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، ففي يونيو/حزيران 2014 كان سعر برميل النفط قد وصل إلى 113 دولاراً، ووصل منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول الفائت
إلى 85 دولاراً، ما دفع الدول الكبرى المصدرة للنفط، باستثناء المملكة العربية السعودية، لمطالبة منظمة "أوبك" بالتدخل لضبط أسعار النفط . ولكن وكالة الطاقة الدولية توقعت ألا تتخذ منظمة "أوبك" أي قرار بخفض الإنتاج من أجل رفع الأسعار خلال اجتماعها المقرر الشهر الحالي .
هذا الهبوط في الأسعار يشكل لغزاً كبيراً لأنه يجيء عكس كل التوقعات والتقديرات، التي اعتادت أن تلحظ ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط مع تصاعد حدة الأزمات العالمية وخاصة الأزمات التي لها علاقة بمناطق أو أقاليم إنتاج النفط، وهذا ما يحدث الآن في ظل الحرب العالمية على الإرهاب في العراق وسوريا وما يحدث في اليمن والتهديدات المحتملة للأمن في البحر الأحمر .
وحلاً لهذا اللغز ظهرت العديد من التفسيرات أو التأويلات التي حاولت كشف غموض الهبوط غير المبرر لأسعار النفط . وقد تم حصر أسباب ذلك في ثلاثة تفسيرات، أولها نشوب "حرب أسعار" بين الدول الرئيسية المنتجة للنفط في محاولة للحفاظ على الحصص في السوق، وثانيها زيادة الإنتاج من خارج دول منظمة "أوبك" بخاصة من جانب روسيا والولايات المتحدة، وثالثها تدني مستوى الطلب العالمي على النفط وتحديداً من القوى الاقتصادية الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة والصين . هناك من أضافوا سبباً رابعاً هو تلك الطفرة التي تشهدها الولايات المتحدة في إنتاج النفط الصخري وهو ما مكن الأمريكيين من زيادة الاعتماد على إنتاجهم المحلي بشكل أكبر والاستغناء عن النفط المستورد من الخارج .
لكن يبدو أن كل هذه الأسباب الاقتصادية غير مجدية لكشف "اللغز" الذي يرى كثيرون أنه يرجع إلى أسباب سياسية وبالتحديد توافق ضد روسيا وإيران معاً، فمن حرب إرادات تقودها الولايات المتحدة لمعاقبة روسيا على تجاوزاتها في أوكرانيا، وعلى عقوباتها لأوروبا وبالذات لأوكرانيا ودول شرق أوروبا التي تعتمد بنسبة 100% على الغاز الروسي، إضافة إلى حرب أخرى ضد إيران لمعاقبتها على دورها في الأزمة السورية، وفي محاولة لفرض اتفاق معين حول البرنامج النووي الإيراني .
ففي غياب المبررات المقنعة اتجهت التحليلات إلى التركيز على الصراع السياسي العالمي، واعتبرت أن ما يحدث هو محاولة لضبط الاندفاع الروسي لتحدي واستفزاز الولايات المتحدة وتهديد مصالحها، ومعاقبة إيران هي الأخرى على تجاوزاتها وضبط اندفاعاتها الإقليمية، وهذا ما أوضحه الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الذي اعتبر أن هبوط أسعار النفط بالشكل الحاد وغير المبرر هذه الأيام "حرباً نفطية" بهدف إغراق النظامين الروسي والإيراني في أزمة اقتصادية عميقة .
أياً كانت التأويلات تواجه روسيا اختباراً قوياً هي وإيران لما يسمى ب "مكانة القوة" من منظور قدرة هذه القوة على الصمود أمام التحديات باعتبار ذلك أهم معايير حسابات القدرة على المنافسة .
نقلا عن صحيفة الخليج