رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حمود حمود يكتب: جدل الإخوان والجيش في مصر: ماذا بعد؟

جولة عربية

الجمعة, 05 سبتمبر 2014 08:35
حمود حمود يكتب: جدل الإخوان والجيش في مصر: ماذا بعد؟حمود حمود
بقلم: حمود حمود

في مدةٍ لم تتجاوز ثلاث سنوات، قالت مصر، بلسان واقعها السياسي وفضائها الثقافي، أنْ ليس لديها سوى خيارين، ويبدو أنْ لا ثالث لهما، على الأقل وفق الأفق المنظور والشرط التاريخي المسيطر: إما محمد مرسي أو عبد الفتاح السيسي.

وهذا الخياران على ما فيهما من كاريزما بطولية صعدت من قاع حدث الربيع، إلا أنها كاريزما تضرب عمقاً في امتدادٍ تاريخيٍ يتجاوز السياسة إلى الثقافة. فحيناً تظهر هذه الكاريزما لابسةً عباءة المقدس و«الخلاص»، تجد في الفقر الثقافي والخراب في الدولة والزيادة على طلب الدين محلَّ نموٍّ وصعودٍ لها، وحيناً آخر تظهر وهي محنطةٌ بعباءة ناصرية معسكرةٍ، قوامُها الشعبوية والهيجان وعشق العسكر. وبالتأكيد، لن نُفاجأ إذا ما قرأنا عن مصريين انتقلوا من هذا «الحين» إلى ذاك «الآخر» بلمحة بصر. والحال، أنّ هذا الانتقال بين هذين «الحينين» على ما فيه من خيانةٍ لشيء يُسمى المبدأ الديني الوطني، فإنه تعبير صادق عن أحد أوجه قعرٍ أنثروبولوجي مريض: كما أفادت منه ثنائية سيد قطب - عبد الناصر، فكذلك الأمر تفيد منه اليوم (مع تغير في الأوجه فقط) ثنائيةُ السيسي -مرسي.
لهذا، لم يجد مصريون صعوبةً تُذكر في الانتقال ما بين «الحينين»، طالما أنهما «حينان» مندمجان في ثقافة واحدة، طالما أنّهما يمتحان من فضاء أهراميّ يتطعّم بنكهتي العسكرتارية والإسلاموية. الأمر نفسه تكرر، وما زال يتكرر، في ليبيا بسياق مختلف: الأيادي التي صُوّرت في الإعلام، لكن غصباً، بكونها أيادي الحرية التي تعاونت مع «الأميركيين الأحرار» في التخلص من قذّاف الاستبداد الليبي هي نفسها الأيادي التي قتلت «الأميركان الكفرة»؛ واليوم بين هذا وذاك، تستيقظ القبيلة من جديد، القبيلة الليبية (المغلفة بنكهة إسلاموية)، لتقول

كلمتها وسط معارك الهوية والصراع على السلطة.
فالإشكال على رغم بُدوّه على السطح أنه سياسي في المسار، هو في العمق تاريخيٌّ - ثقافيٌّ: عمق لا يمنعنا أنْ ننظر إلى المعركة السيسية مع الإخوان سوى كونها بمثابة إكمال لدورةِ الصراع على السلطة، بين الإسلاميين والعسكر، لكنْ بأشكال تاريخية جديدة؛ وهي الدورة التي كانت فترة جمال عبد الناصر من أبرز الفترات التي جسدت خطوطها العريضة لما سيأتي بعد: من «القطبية - الناصرية» إلى «المرسية - السيسية»، و«ربما» هكذا دواليك، ما دامت مفاعيل تدويلُ هذه الدورة قائمة. وبالفعل، فقد كانت فترة عبد الناصر من أبرز فترات العرب التاريخية الحديثة المسؤولة عن رسم أفق المعركة بين الإسلامين والخط القومي العسكري، وكيف على الأخير أنْ يتعلم دروس خوض الوغى مع «أتباع الإمبريالية»، الذين «تخترعهم» قوى الاستعمار وتدعمهم. هكذا، كانت معركة النظام السوري مع إخوان دمشق في السبعينات والثمانينات تتويجاً لناصرية - إسلاموية، لكن على نحو عنيف أشد من عنف عبد الناصر (مع الحذر الدائم أنّ مثل هذه الصراعات لم تكن ثقافية، أو حتى أيديولوجية، لم تكن بين إسلاموية وقومية، بل بين «إسلامويين» كأفراد وبين «قوميين» كأفراد أيضاً، وذلك في مجرى الصراع على السلطة، بخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ حالَ إثبات كلٍّ منهما أنه «إسلاميٌّ» أكثر من الآخر، حالٌ ما زالت تشهده معظم الدول العربية في صراع حكامها مع الإسلاميين).
مصر، إذن، بين الإسلاموية والعسكرتارية. هل هناك من جديد؟ إلى الآن: لا! هذا هو، ربما، باختصار ما يلخص مشهدية مصر في مسارٍ يزيد على ثلاث سنوات، والذي هو بدوره يمثل ويختصر مسيرة أكثر من ثلاثة أرباع قرن. ولا يبدو أنّ لدى مصر الكثير لتقدمه للعالم أكثر مما قدمته على مدار هذا التاريخ: إما الإسلاموية أو العسكرتارية؛ إما الإسلاموية اللاتاريخية المتشددة لسيد قطب أو إما القومية اللاتاريخية المعسكرة لجمال عبد الناصر. هل هناك خيار ثالث!؟ الآن، مرة أخرى، يُعبّر المصريون عن هذه الظاهرة؛ مرة أخرى يتنفسون: أولاً تنفسوا صعداء مرسي الإخوان، ومن ثم زفروه، وتالياً ليتنفسوا، هم أنفسهم، بأسَ السيسي عسكر، والذي يبدو أنه الأشد والأقوى في ترجمة ما يجب أنْ تكون عليه الأمة المصرية أو دولة الفراعنة. وفي كلتا الحالتين الرئة واحدة عموماً، تلك التي تنفست وزفرت مرسي، واليوم تتنفس سيسية العسكر؛ بغض النظر عن بعض الدرجات والتفاوتات في حجم تأييد هذا أو ذاك.
ربما من المهم الالتفات إلى أنّ أحد أبنية هذا الصراع المانوي بين الإسلاميين والعسكر اليوم يتمثل في البناء على الخراب. لكن، وفي الوقت نفسه، كلٌّ من هذين الطرفين يمتح من الآخر، اللاشرعي بطبيعة الحال، وهماً شرعياً من المستبعد أنْ ينوجد لولا هذا الآخر. في سورية، كذلك، هناك الإرهابيون اللاشرعيون الذين، على رغم ذلك، يشرعنون للنظام السياسي لا حربه فحسب، بل شرعية وجوده كذلك. إنها كالدورة الثنوية الميثية الحافلة بقصص الخير والشر والمعارك على شرعية البانثيون.
طبعاً ليس هذا للقول إنّ هذه حتمية تاريخية محتمة على مصر. لكن أيضاً لا يمكن للبديل أنْ يهبط من السماء هكذا، كما من الخطأ كذلك القول إن التاريخ سينتج بدائله ما دام هناك تقعّر في السياسة إلى الثقافة، وما دام ليست هناك قوى ثقافية ليبرالية تدفع باتجاه القطيعة مع المورثات التي تعتبر بمثابة المكانيزمات للإسلاموية والعسكرتارية. الإسلاموية أثبتت فشلاً ذريعاً في تقديم أيّ بديل، وكذا الأمر في حالة الخصوم من العسكر. وهذا الفشل بحد ذاته ربما يمكن اعتباره نافذةً تاريخية أخرى أمام المصريين وبقية دول المشرق في صنع السياسة والدولة.


نقلا عن صحيفة الحياة