رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

د . محمد السعيد إدريس يكتب : إنهاء الاحتلال ولغز التفاوض

جولة عربية

الثلاثاء, 26 أغسطس 2014 15:25
د . محمد السعيد إدريس يكتب : إنهاء الاحتلال ولغز التفاوضد . محمد السعيد إدريس

 

الواضح تماماً بعد تعمد بنيامين نتنياهو إفشال مفاوضات التهدئة في القاهرة بتجديد العدوان على غزة، وتعمد استهداف قتل قادة المقاومة من عسكريين وسياسيين، أنه يدفع بالأزمة إلى حافة الهاوية، وأنه يريد أن يعود مجدداً إلى المربع الأول، وإذا به يدفع المفاوضين الفلسطينيين نحو الخيار ذاته .

كانت المفاوضات تسير في اتجاه الحل وقدم وفد التفاوض الفلسطيني كل ما يمكن تقديمه من تنازلات، لكن تجديد العدوان خلق قناعة لدى هذا الوفد على نحو ما كشف عنه رئيسه عزام الأحمد في مؤتمره الصحفي عقب انسحاب الوفد "الإسرائيلي" أن "إسرائيل" لا تريد التفاوض لأنها لا تريد تسوية"، وأن "إسرائيل" تريد تعميق الانقسام بين الفصائل الفلسطينية وضد استمرار حكومة الوحدة الوطنية" .
هذه القناعات تضع القيادة الفلسطينية كلها، بما فيها رئيس السلطة محمود عباس أمام حقائق الواقع كما هي: "إسرائيل" لا تريد التسوية ولا تريد الحل"، والمطلوب من هذه القيادة أن تقول: ما هو الحل إذاً، بعد أن أوصلهم نتنياهو إلى "حافة الهاوية"؟
البعض يتحدث الآن عن ضرورة العودة إلى المربع الأول، ويعني به العودة إلى خيار إنهاء الاحتلال، لكن التوقف عند هذا الحد يعد مجرد "نصف إجابة"، ويضع الأمور أمام السؤال الكبير: هل يستوي استمرار التفاوض مع الاقتناع بأن إنهاء الاحتلال هو الحل؟
قد يصلح التفاوض الآن، وربما بالآلية نفسها، أي آلية الوساطة المصرية لإيجاد "تهدئة"، سواء كانت مؤقتة أو طويلة المدى، لكن لن يقدم حلاً للصراع، ولن يحقق تسوية أو سلاماً في ظل القيادة "الإسرائيلية" الحالية .
لقد تورط نتنياهو، كغيره من قادة الكيان، في شن الحرب على قطاع غزة على أمل جني ثمار اختلال التوازن في القوة لمصلحة "إسرائيل"، بعد ما أدت إليه تداعيات موجات الثورات العربية من تحويل

لمجرى الصراع في المنطقة حين أخذت تطغى الصراعات داخل الدول العربية على أولوية الصراع مع الكيان الصهيوني، وحيث أخذت دول عربية تواجه خيارات مأساوية في ظل الحروب الدائرة داخلها، ومنها حروب المنظمات الإرهابية على شاكلة "داعش" و"النصرة" و"القاعدة" وأخواتها . كما اندفع نتنياهو لشن العدوان على غزة لإفشال ما تحقق من نجاحات على صعيد الوحدة الوطنية واسقاط الحكومة التي تشكلت بتوافق وطني، وتورط في الحرب على غزة على أمل إسقاط حركة "حماس" وقطع أذرعها، واجبارها على تهدئة طويلة المدى تضع نهاية لسلاح المقاومة وتنهى عمل الأنفاق، لكنه فشل في هذا كله، وفوجئ بتوحد فلسطين، وبوفد فلسطيني متماسك يمثل الفصائل كافة، وبورقة تفاوض تحظى بدعم ومساندة الوسيط المصري، لذلك كان الهروب هو الحل .
هرب نتنياهو كما هي العادة باتجاه إفشال التفاوض عمداً من خلال تجديد العدوان، لأنه وجد نفسه مضطراً لدفع الثمن في شكل اتفاق دائم للتهدئة، في الوقت الذي لم يذهب فيه إلى غزة كي يدفع أثماناً بل لكي يجني مكاسب، ولم يجد أمامه غير مكسب تصور أنه طوع بنانه عندما وصلت أخبار لأجهزته ربما يكون مصدرها تلك العناصر التي تم إعدامها مؤخراً حول مكان وجود الضيف قائد كتائب عز الدين القسام .
أخذ نتنياهو قرار اغتيال محمد الضيف وأمر بشن الغارة المشؤومة على المكان الذي جرى التبليغ عنه في بيت الدلو بالشيخ رضوان، وعقد مؤتمراً صحفياً بمشاركة وزير دفاعه موشي يعلون ليتباهى فيه بأنه يستهدف القادة السياسيين والعسكريين
لحركة حماس، وأنه ليس لأي منهم حصانة . كان يعتقد أنه حقق الهدف وبات في مقدوره إعلان الانتصار وإنهاء العدوان من طرف واحد، لكنه صدم عندما أعلنت حركة "حماس" أن العدوان أسفر عن استشهاد زوجة محمد الضيف وطفله الرضيع، لكنه لم يصب بأذى، وأنه "يقود المعركة، وأن جنوده سيصلّون في القدس المحررة" .
يبقى السؤال المهم: وماذا بعد؟
ماذا بعد أن فشل نتنياهو في إيجاد مخرج لنفسه من الفشل حتى ولو كان المخرج هو اغتيال قائد المقاومة وتصوير هذا الاغتيال على أنه انتصار يكفي للانسحاب من غزة من دون شروط؟
وماذا بعد أن وصلت قناعة وفد التفاوض الفلسطيني بأن الحكومة "الإسرائيلية" لا تريد تفاوضاً ولا تريد تسوية؟
وماذا بعد تجدد الحديث عن أن الأمور عادت إلى المربع الأول وأن هذه العودة ليس لها من معنى غير إنهاء الاحتلال؟
المأزق يواجه الجميع ولم يعد في الأفق أدوار لها اعتبارها في أن تكون طرفاً في الإجابة عن هذه الأسئلة الجوهرية، وهذا في حد ذاته تطور آخر شديد الأهمية والخطورة، لأن غياب الأدوار الدولية والإقليمية يعني أن المسؤولية أضحت "إسرائيلية" بحتة، وفلسطينية بحتة، وأن الطرفين معنيان، ربما للمرة الأولى منذ بدء الصراع بالتوصل إلى الحلول .
"الإسرائيليون" سوف يواجهون المأزق لأنهم إما أن يعودوا مجدداً إلى سياسة كسب الوقت السابقة متسترين وراء مشروع وهمي للتفاوض وللتسوية، وإما كسر كل الأطر السابقة وتجاوزها وإعلان التخلي الفعلي عن "خيار حل الدولتين"، ورفض أي انسحاب من الأراضي المحتلة، وإعلان "إسرائيل" دولة يهودية من طرف واحد من دون انتظار لدعم أمريكي أو لاعتراف فلسطيني .
والفلسطينيون يواجهون خرافة التسوية بعد طول انتظار منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 وما أعقبه من اتفاق أوسلو عام 1993 . الآن باتوا يعرفون الحقيقة التي ظل بعضهم يتعمد تجاهلها أو تأجيلها انتظاراً لحصد ثمار السلام الوهمي .
حقق الفلسطينيون في القاهرة وحدة الصف ووحدة الموقف وأفشلوا رهانات عدوهم بالانفراط ويبقى أن يحققوا وحدة الهدف، الذي اقتنعوا به، وهو أن التحرير هو الحل، وأن التفاوض لم يعد له مكان الآن إلا إذا كان ضمن آليات وأدوات الممارسة النضالية للتحرير، كما عرفتها كل التجارب الثورية الناجحة .
نقلا عن صحيفة الخليج