رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

السيد يسين يكتب: لا ديموقراطية من دون عدالة اجتماعية

جولة عربية

الأحد, 24 أغسطس 2014 13:06
السيد يسين يكتب: لا ديموقراطية من دون عدالة اجتماعيةالسيد يسين
بقلم: السيد يسين

يدور في العالم العربي صخب هائل حول التحول الديموقراطي. ويرد هذا الصخب إلى اشتداد مطالبة الأحزاب السياسية العربية ومنظمات المجتمع المدني بتطبيق مبادئ وقيم الديموقراطية الحقيقية.

بدلاً من الأشكال الديموقراطية المزيفة التي اتقنت صنعها النظم السياسية العربية السلطوية طوال أكثر من خمسين عاماً. وقد ضاعف من الصخب محاولة الولايات المتحدة الأميركية فرض الديموقراطية كما تفهمها من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته بعد تردد الدول الثماني الكبرى، والذي أصبح اليوم هو عقيدة حلف الاطلسي «الناتو». والتحول الديموقراطي – بحسب التعريف – هو التحول من نظام سياسي سلطوي يقيد حركة الأحزاب السياسية ويضع القيود أمام مؤسسات المجتمع المدني، إلى مجتمع ليبرالي يطلق فيه عنان حرية تعاطي السياسة، بما يعنيه ذلك من تعددية سياسية حزبية، وتعددية فكرية وحرية عمل لمؤسسات المجتمع المدني.
والتحول الديموقراطي – كما تشهد بذلك التجارب العالمية المقارنة – عملية بالغة الصعوبة والتعقيد. ذلك أنه ينطوي – ليس فقط على إسقاط بعض الممارسات السياسية واستحداث ممارسات أخرى تهدف إلى توسيع دائرة المشاركة السياسية إلى أبعد مدى – وإنما ينطوي على تغيير اجتماعي وثقافي مخطط. وهذا التغيير لا بد له من أن يهاجم القيم السياسية السلطوية التي عادة ما تحاول بكل ما تملكه الدولة من أجهزة أيديولوجية، تقديس الحاكم ملكاً كان أو رئيساً للجمهورية، وفي الوقت نفسه تحصين النظام السياسي - أياً كانت طبيعته – من النقد الجذري للمنطلقات التي يقوم على أساسها بما يهدد شرعيته المفروضة.
وهدم القيم السلطوية لا بد أن يترافق معه بناء أو إعادة بناء القيم الديموقراطية التي تركز على حقوق الأفراد في المقام الأول باعتبارهم مواطنين وليسوا رعايا. ذلك أن الدولة السلطوية عادة ما تهدر حقوق المواطنة حتى لو كانت الدساتير المطبقة تنص عليها، وتعامل الأفراد باعتبارهم رعايا من حقها أن تحدد أوضاعهم كما تشاء، حتى لو كان ذلك ضد الدستور أو القانون، كما أن من حقها المزعوم أن تغير كما تشاء وتهوى من أوضاعهم القانونية والسياسية.
والقيم الديموقراطية تؤمن بالتعددية السياسية والفكرية، وتقوم وتزدهر في ضوء حرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم.
وهي تحض على السلوك السياسي الإيجابي، والذي يتمثل في الحرص على المشاركة السياسية سواء بالانضمام إلى الأحزاب السياسية المختلفة، أو

بالمشاركة في الانتخابات التي تجري بصورة دورية.
ولنا أن نتوقع – كما تثبت ذلك التجارب العالمية – أن تقابل عملية تفكيك بنية النظم السلطوية مقاومة عنيدة من أطراف شتى، في مقدمها النخب السياسية العربية الحاكمة، والتي استأثرت لأحقاب طويلة بالسلطة والثروة. وبالتالي لا بد لقوى التغيير الديموقراطي في الوطن العربي أن تجابه مقاومة أعضاء النخب السياسية العربية الحاكمة للتحول الديموقراطي باستراتيجيات مدروسة، تقوم على أساس تعبئة الرأي العام عموماً، وأصحاب المصلحة في التغيير من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية، لمواجهة هذه المقاومة بكل الطرق السلمية الممكنة. إن كسب هذه المعركة المبدئية هو الذي سيفتح الباب أمام الأمواج الدافقة للتحول الديموقراطي بمستوياته المتعددة، ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية الخاصة بالإصلاح الديموقراطي قد فشلت فشلاً ذريعاً مما أدى إلى اندلاع ثورات الربيع العربي.
ويلفت النظر أن الولايات المتحدة الأميركية قدمت نفسها – خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، وبعدما خفتت إلى حد ما أصداء غزوها لأفغانستان والعراق – باعتبارها راعية الديموقراطية في العالم والمدافع الأول عن قيمها النبيلة!
وتحدث في مجال السعي الأميركي للترويج للديموقراطية في العالم العربي أحداث إن دلت على شيء فإنما تدل على سذاجة تفكير أركان المؤسسة الأميركية الرسمية، وجهلهم الشديد بتاريخ الديموقراطية في مصر وفي العديد من البلدان العربية. وذلك مثل العراق وسورية وتونس والمغرب وليبيا والسودان، والتي شهدت من قبل وفي فترات محدودة من تاريخها، تجارب ديموقراطية تزخر بالخبرات العميقة التي تحتاج إلى دراسات علمية وتأملات ثقافية في الوقت نفسه.
والواقع أن الدعوات الأميركية لتطبيق الديموقراطية في مصر على وجه الخصوص تبدو باهتة تماماً إذا ما قورنت بالخبرة السياسية المصرية المعاصرة. ونقول لمن لا يعلم من الأميركيين وبعض المثقفين المصريين المتحمسين لأميركا أيضاً، أن مصر شهدت فترة ليبرالية وديموقراطية بالغة الخصوبة من عام 1923 تاريخ صدور الدستور المصري حتى عام 1952 تاريخ قيام ثورة يوليو.
كانت هناك رأسمالية، وكانت هناك تعددية حزبية
وكانت هناك حريات سياسية، وذلك رغم وجود قيود أثرت في الممارسة، وأبرزها تدخلات قوات الاحتلال الإنكليزي ومؤامرات القصر الملكي ضد حزب الوفد، والذي كان هو حزب الغالبية.
كانت هناك حريات سياسية ولكن لم تكن هناك عدالة اجتماعية في توزيع الدخول، ويثبت ذلك بروز «المشكلة الاجتماعية» والتي تمثلت في الفجوة الواسعة بين من يملكون ومن لا يملكون في ريف مصر وحضرها. وهذه المشكلة الاجتماعية كانت أحد أسباب قيام الثورة.
قامت ثورة يوليو 1952 لتطبق مشروعاً كاملاً للعدالة الاجتماعية الذي صاغته القوى الوطنية المصرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وتم ذلك من خلال تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الذي حدد الحد الأقصى للملكية الزراعية، ومن خلال تحديد الحد الأدنى لأجور العمال، وتحسين أحوال الموظفين، وبناء المساكن الشعبية لمحدودي الدخل، وفتح أبواب التعليم المجاني أمام الفقراء، واستطاعت دولة الثورة القيام بمشاريع شتى في مجال الرعاية الاجتماعية بعد تأميم الممتلكات الأجنبية بعد عام 1956، ومن خلال فرض الحراسات على كبار الملاك.
حققت الثورة العدالة الاجتماعية إلى حد كبير بعد أن رفعت الحصار الاجتماعي عن الطبقة الوسطى، وبعد أن رفعت من شأن الطبقات الفقيرة، غير أنها أممت السياسة في الواقع، بعد أن ألغت الأحزاب السياسية عام 1954، وقنعت بصيغة الحزب الواحد، وصادرت الحريات السياسية.
ومن هنا يمكن القول إن مصر تحولت من نموذج الحريات السياسية من دون عدالة اجتماعية، إلى نموذج آخر هو العدالة الاجتماعية من دون حريات سياسية.
ونحن الآن – على نطاق العالم العربي – وبعد الخبرات العميقة إقليمياً وعالمياً وصلنا إلى خطة التوازن.
ونعني بذلك على وجه الدقة أنه لا بديل عن الحريات السياسية. كما أنه – في الوقت نفسه – لا بديل عن العدالة الاجتماعية. ومعنى ذلك أن التحول الديموقراطي في العالم العربي لن يؤتي ثماره إلا إذا أولينا موضوع العدالة الاجتماعية ما يستحقه من اهتمام.
وشهد العالم العربي طوال الخمسين عاماً الماضية توحش أعضاء النخب السياسية الحاكمة في مجال الاستئثار بالنصيب الأكبر من الثروة القومية، بالقانون وبالعرف، وإن لم يجد القانون والعرف، مارسوا الفساد العلني لكي يثروا على حساب شعوبهم.
غير أننا في اللحظة التي بدأ يعلو صوت المطالبة بالتحول الديموقراطي، لا بد من أن يعلو صوت المطالبة بتحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.
والعدالة الاجتماعية ليست مجرد شعار يرفع، ولكن، لها مفهوم محدد، وينبغي وضع استراتيجيات لتحقيقها، في ضوء تحليل الخبرات العالمية المقارنة.
وفي هذا المجال لا بد من الدراسة النقدية لخريطة توزيع الدخل القومي، والحد من إهدار المال العام، وترشيد عملية اتخاذ القرارات التنموية. وقبل ذلك كله المواجهة الحاسمة للفساد، وسن التشريعات الكفيلة بردع الفاسدين، وإنشاء أجهزة فعالة للرقابة، وإعادة النظر في سياسة الأجور على الصعيد القومي، وتدعيم برامج الرعاية الاجتماعية.
ومن ثم لا بد من التأكيد بأنه لا ديموقراطية من دون عدالة اجتماعية.

نقلا عن صحيفة الحياة