رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عثمان ميرغني يكتب: حيرتنا مع «داعش»

جولة عربية

الخميس, 14 أغسطس 2014 11:17
عثمان ميرغني يكتب: حيرتنا مع «داعش»عثمان ميرغني
بقلم: عثمان ميرغني

«داعش» لغز كبير تحيط به ألغاز أخرى كثيرة. لغز في طريقة نشوء الحركة، وفي تنظيمها، وفي شخصية قائدها «الخليفة» المزعوم أبو بكر البغدادي، ولغز كذلك في تمددها السريع العجيب.

فالتنظيم الذي تقول دوائر الاستخبارات إن عدد مقاتليه لا يتجاوز 12 إلى 15 ألفا في أحسن التقديرات، أصبح في غضون أشهر قليلة يسيطر على مساحة من الأرض أكبر من مساحة جيبوتي، أو من مساحة الكويت ولبنان معا. مساحة تمتد من سوريا إلى العراق وتشمل مواقع نفطية وسدا مهما، تتحرك فيها قواته بِحرّيةٍ لتثير الرعب وتجبي الضرائب وتطرد الأقليات، وتهدد بغداد وأربيل، وتغير الكثير من المعادلات السياسية في المنطقة وخارجها.
فجأة، أصبحت «داعش» هي الحدث، والخبر الذي غطى على كل ما عداه وصرف الأنظار عن حرب غزة بكل مآسيها، وخفف الضغط على إسرائيل، التي كانت قد بدأت تتعرض لضغوط وانتقادات دولية واسعة بسبب المجازر والدمار الرهيب في القطاع. «داعش» قد تكون استغلت انشغال العالم بأحداث غزة لكي تتمدد من العراق إلى سوريا، لكنها أيضا قدمت خدمة لإسرائيل بأن سحبت اهتمام العالم بمجازر المدنيين الفلسطينيين، إلى مأساة المسيحيين والإيزيديين في العراق على أيدي «مجاهدي» البغدادي.
من المفارقات أن «داعش» قلبت المعادلات في العراق أيضا. فبعدما كان الكثيرون يعتبرون التدخل الأميركي مسؤولا عن كل المآسي التي حلت بهذا البلد منذ ذلك التاريخ، عادت الأصوات لترتفع أخيرا منادية بتدخل عسكري أميركي لوقف تقدم قوات «الدولة الإسلامية». حتى رئيس الوزراء المنتهية ولايته، نوري المالكي، الذي عارض ورفض توقيع اتفاقية أمنية مع

الولايات المتحدة ضمن ترتيبات سحب القوات الأميركية، عاد ليناشد واشنطن التدخل. أميركا وافقت بالفعل وبعد تردد على توجيه ضربات جوية، لكن ليس دعما للمالكي، بل لأن تمدد «الدولة الإسلامية» بات يمثل خطرا على دول أخرى في المنطقة، وأربك الكثير من الحسابات بما في ذلك إزاء الوضع المعقد في سوريا. فواشنطن وكثيرون داخل العراق وخارجه كانوا يرون أن المالكي فشل في إدارة مرحلة كانت تتطلب تضميد الكثير من الجراح، وتسبب في توسيع الهوة الطائفية، ومن ثم في بقاء الوضع السياسي والأمني ملتهبا.
المالكي يدفع اليوم ثمن أخطائه، و«داعش» التي استفادت من تلك الأخطاء أسهمت اليوم في إسقاطه. فتمددها السريع أسهم في التوافق على استبداله بحيدر العبادي، الذي وجد التأييد من حلفاء المالكي السابقين، بما فيهم إيران التي أعلنت تأييدها العملية الدستورية التي جاءت بمرشح جديد، لتقف بذلك في خط واحد مع أميركا. المفارقة الأخرى، أن «داعش» جعلت أميركا وإيران تعملان ضمن هدف عسكري مشترك؛ وهو وقف تمددها. فهناك تقارير تشير إلى أن إيران أرسلت نحو 500 عنصر من «فيلق القدس» إلى بغداد في يونيو (حزيران) الماضي للمساعدة في وقف تقدم «داعش»، بينما أرسلت أميركا هذا الأسبوع نحو 150 من الخبراء إلى كردستان لـ«تقييم» الوضع والمساعدة في تدريب القوات الكردية على المعدات العسكرية الأميركية الجديدة
التي أرسلت إليها للمساعدة في مواجهة جهاديي «الدولة الإسلامية» الذين استولوا على معدات وأسلحة متطورة خلفتها القوات العراقية المنسحبة.
واشنطن، أيضا، في عودتها العسكرية، تحاول معالجة خطأ آخر ناتج عن عملياتها في العراق. فـ«داعش»، أصلا، ظهرت في العراق على أنقاض تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ومن بين الخلايا القيادية التي برزت بعد مقتل الزرقاوي في عملية أميركية عام 2006، ثم مقتل أبرز اثنين من بقايا قيادات تنظيمه في غارة جوية عام 2010. من بين تلك الأنقاض، ظهر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» الذي بدل اسمه لاحقا ليضم الشام، ويصبح معروفا باسم «داعش» اختصارا، ثم اقتصر أخيرا على مسمى «الدولة الإسلامية». الأدهى من ذلك، أن زعيم التنظيم «الخليفة» أبو بكر البغدادي كان أيضا من ضمن «الأخطاء» الأميركية التي تسعى واشنطن الآن لمواجهتها. ففي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في العاشر من الشهر الحالي تحت عنوان «عمليات أميركا في العراق غذت صعودَ متمرد»، كشف مصدر في وزارة الدفاع (البنتاغون) عن أن القوات الأميركية اعتقلت البغدادي عام 2004 خلال عملياتها في الفلوجة، ولم يكن وقتها ذا أثر، وسجلت اسمه في قوائمها. وقالت الصحيفة، منذ ذلك الوقت فإن صعود البغدادي كان، بشكل أو بآخر، نتاج التدخل الأميركي في العراق وما ارتبط به من سياسات.
يمكن للمرء أن يجادل بأن البغدادي استفاد كذلك من التخبط الغربي في التعامل مع الأزمة السورية وفي توحيد فصائل المعارضة المشتتة، فتمكن من السيطرة على أراض واسعة واستقطب المزيد من المقاتلين، مما مكنه من توسيع عملياته.
من الصعب الرهان على أن «داعش» ستنهار وحدها من الداخل. وبما أنه لا يوجد في الخارج من يريد أن يحاربها بجدية كاملة، فإننا قد نكون مواجَهين لسنوات مقبلة بتنظيم يخلط المعادلات الإقليمية والدولية مثلما فعلت «القاعدة» قبل ذلك. إنه وضع محير، مثير للكثير من التساؤلات حول ما يحدث في المنطقة أو ما يحاك لها.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط