رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رغيد الصلح يكتب: الأنظمة الديمقراطية ملاذ آمن لليهود بالمعايير الدولية

جولة عربية

الجمعة, 18 يوليو 2014 13:25
رغيد الصلح يكتب: الأنظمة الديمقراطية ملاذ آمن لليهود بالمعايير الدوليةرغيد الصلح
بقلم: رغيد الصلح

بعد كل جولة من جولات الصراع الساخن الفلسطيني/العربي- "الإسرائيلي" يسارع الزعماء "الإسرائيليون" إلى التأكيد بأن "إسرائيل" لا تزال حصناً منيعاً وسالماً لليهود، وأنها تملك القدرة على حمايتهم من الأخطار والتحديات الكبرى التي تحيط بهم . يقدم الزعماء "الإسرائيليون" هذه التأكيدات وفي أذهانهم أيضاً التأكيد على أن المشروع الصهيوني لم يفشل وعلى أنه، في نهاية المطاف، سوف يحقق لليهود كل ما يطمحون إليه من أمان ورخاء وحرية، وأن هذا المشروع سوف يعوضهم عن كل ما لحق بهم في التاريخ من أذى وضرر وعذاب المحرقة .

وخلال الجولات الأخيرة من الصراع الفلسطيني- "الإسرائيلي"، لجأ الزعماء "الإسرائيليون" مرة أخرى إلى طمأنة مؤيدي المشروع الصهيوني إلى أن مشروعهم لا يزال بخير، وإلى أن "إسرائيل" لا تزال كما أرادوها قوية، منيعة قادرة على توفير الأمن لليهود . وكدليل على صواب هذه الصورة، يعود المتحمسون إلى المشروع الصهيوني إلى مسألة الهجرة من وإلى "إسرائيل" باعتبارها دليلاً لا يخيب على نجاح هذا المشروع . فحسب تقارير مكتب الإحصاء "الإسرائيلي" المركزي، بلغ عدد المهاجرين من "إسرائيل" من عام 2011 وحتى نهاية عام 2012 ما يقارب 000 .16 مهاجر ومهاجرة فقط . واعتبر المكتب أن هذه الأرقام تدل على أن مستوى الهجرة خلال هذه الفترة هو الأدنى منذ التسعينات، وأنه من أدنى مستويات الهجرة في العالم .
يعتبر الأصوليون الصهاينة هذه الأرقام مؤشراً كبيراً على أن يهود "إسرائيل" باتوا لأول مرة في تاريخ اليهودية يشعرون بالأمان . إنهم يشعرون بأن "إسرائيل" صامدة في وجه التحديات، وأن عناصر تفوقها ليست ضروباً من الأساطير . إنها تملك جيشاً لا يقهر، وسلاح جو يعتبر الثالث في العالم، وقبة حديدية ترد عن مدنها وأراضيها الصواريخ والقذائف، وجداراً من نار وباطون يمنع تسلل المسلحين إلى داخلها . في ظل القبة والجدار والسلاح النووي يشعر "الإسرائيلي" بثقة عالية بالنفس، ويستمد من هذا الواقع استعداداً للتضحية وللدفاع عن "أرض الميعاد"، وبالتمسك بالمشروع الصهيوني الذي وفر له

هذه القدرات . ولكن هل هذه الصورة حقيقية؟ إنها عرضة للمناقشة من زاويتين:
* أولاً، أن "إسرائيل" ليست منيعة بالمقدار الذي يصوره أو يتخيله الأصوليون الصهاينة . تأكيداً لهذا الرأي يقدم ناقدون للوضع الراهن في فلسطين أدلة تنفي هذه الصورة الزاهية للمشروع الصهيوني ول"إسرائيل" . فعلى الصعيد الديمغرافي يشير الون بن - مئير، الباحث الرئيسي في "مركز الشؤون العالمية في جامعة نيويورك"، إلى التحديات الخطرة التي تواجه "إسرائيل" . يستعين بن - مئير هنا بما جاء على لسان نتنياهو نفسه حينما قال في مؤتمر هيرتسيليا عام 2003 إن "إسرائيل" تواجه خطراً وجوديا خلال المستقبل غير البعيد . توقع نتنياهو أن تبلغ نسبة عرب "إسرائيل" إلى 35-45% من مجموع سكانها "إسرائيل" في المستقبل المنظور . هذا معناه، كما جاء على لسان رئيس الحكومة "الإسرائيلي"، زوال الدولة اليهودية . فضلاً عن ذلك، أشار بن - مئير إلى إحصاءات تدل على أنه يوجد مليون "إسرائيلي" مغترب خارج "إسرائيل" وأنه ليس في سلوك الأكثرية الساحقة من هؤلاء أنهم لديهم رغبة في العودة إلى "إسرائيل" .
هناك أربعة أسباب رئيسية، كما يقول بن - مئير، تفسر حال الاغتراب "الإسرائيلي" ألا وهي: البحث عن العمل، الصراع المستمر مع الفلسطينيين، الاضطراب الأمني ورغبة أولي العائلات تجنيب أولادهم الخدمة العسكرية . كل سبب من هذه الأسباب له علاقة بالصراع الفلسطيني/العربي-"الإسرائيلي" . وهذا الصراع لن يتوقف طالما أن أسبابه مستمرة . وهذه الأسباب موجودة في عمق العقيدة الصهيونية، وخاصة في تركة فلاديمير جابوتنسكي العقائدية التي يحملها خلفاؤه وورثته في معسكر اليمين "الإسرائيلي" الحاكم . ومؤشرات الصراع تدل على أن "إسرائيل" قد تزداد قوة في المستقبل ولكن موازين القوى لن تكون،
بالضرورة، لصالحها .
فبين الأربعينات والسبعينات لم تتمكن الدول العربية من خوض حرب فيها شيء من التكافؤ ضد "إسرائيل" . إلا أن هذا الوضع تغير عام 1973 حينما تحسن الأداء العسكري العربي، وحينما بدا الكيان - المعبد "الإسرائيلي" مهدداً بالسقوط كما جاء في مذكرات غولدا مئير . وبين السبعينات والألفية الثالثة، لم تتمكن المقاومة العربية من إخراج الاحتلال "الإسرائيلي" من أي أرض عربية، ولكنها عام 2000 تمكنت من تحقيق هذا الهدف عندما اضطرت قوات الاحتلال إلى مغادرة الأراضي اللبنانية من دون تحقيق أي مكسب . هذه المنعطفات تدل على أن "إسرائيل" قوية ولكن ليس إلى درجة التحكم في مسار التاريخ وتحديد أهدافه وإرضاخه لغائيات المشروع الصهيوني .
* ثانياً، أن اليهودي كثيراً ما وجد، مثل غيره من اتباع العقائد الدينية الأخرى، ملاذات آمنة في التاريخ وفي عالمنا الراهن . البلاد العربية ليست واحدة منها اليوم لسببين: الأول بسبب الصراع العربي/الفلسطيني-"الإسرائيلي" وتداعياته . الثاني: لأن ما من طائفة أو جماعة دينية في المنطقة تستطيع أن تضمن أمنها وسلامتها . ولهذا الواقع أيضاً صلة قوية بالصراع العربي - "الإسرائيلي" . ولكن خارج المنطقة وخارج التاريخ الراهن هل وجد اليهود ملاذات آمنة؟ توجد أمثلة كثيرة على هذه الملاذات منها التالية:
كل دولة ديمقراطية - بالمعايير الدولية - هي ملاذ آمن لليهود . ولقد وضع هذا المبدأ تحت المحك مراراً في هذا النوع من الديمقراطيات . في استراليا، على سبيل المثال جرى نقاش واسع حول هذه المسألة عندما طالب مهاجر روسي عام 2005 بإعطائه حق اللجوء . ولما طالبت دوائر الهجرة برد الطلب على أساس أن "إسرائيل" توفر الأمان للاجئ وأنها تفتح بابها إلى ذلك المهاجر عملاً بقانون الهجرة، رفضت المحكمة الاسترالية طلب دائرة الهجرة لأنه انطوى على موقف مضمر مفاده أن استراليا لا تملك الحق أو القدرة على توفير الأمان والحرية والمساواة لليهودي، وعلى أساس أن "إسرائيل" هي الملاذ الأفضل لليهود . المحكمة الاسترالية أكدت في حكمها النهائي، أن استراليا هي أيضاً ملاذ آمن لكل مضطهد بصرف النظر عن دينه وعرقه وانتمائه . تكرر هذا المشهد، كما جاء في تقرير لادري نيوهوف وجيف هاندميكر الناشطين في مجال حقوق الإنسان في هولندا، في العديد من الدول الديمقراطية في العالم مثل كندا وهولندا . وفي كل حالة من هذه الحالات رفضت فيها الدوائر القانونية والسياسية المعنية النظرة الصهيونية القائلة إن "إسرائيل" هي الملاذ الآمن لليهود في العالم .
نقلا عن صحيفة الخليج