رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ثروت الخرباوي يكتب: رؤية في رؤية الهلال

جولة عربية

الاثنين, 30 يونيو 2014 13:23
ثروت الخرباوي يكتب: رؤية في رؤية الهلالثروت الخرباوي
بقلم: ثروت الخرباوي

لا أظن ان هناك لغة من اللغات الحية أو الميتة تفوق اللغة العربية أو تتفوق عليها أو تعلوها في الغنى والثراء والاتساع والامتداد (الكمال في اللغة غير التمام والدهشة غير العجب والغنى غير الثراء والاتساع غير الامتداد).

لم تكن لغتنا في يوم من الأيام جامدة أو فقيرة على الرغم من أنها نشأت في الصحراء حيث لا شيء الا السماء والأرض، فلم تولد لغتنا العربية في المدن ذات الأفنان أو البلدان ذات القباب والأسوار والقصور، الا ان دقتها وبلاغتها واتساعها تذهل العقول والألباب، وقد أظهر القرآن الكريم لنا معجزة اللغة العربية فعرفنا من خلاله ان الضوء غير النور {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} والجسم غير الجسد فالجسم يطلق على ما يكون فيه روح وحركة، أما الجسد فيستعمل لما ليس فيه روحا وحياة، وذلك استنادا لقول الله تعالى {واذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} وقوله تعالى {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا}.
ومع ذلك فان رؤية هلال رمضان تثير دائما حالة من الجدل قبل حلول شهر رمضان الكريم، فقد تتابعت الكثير من آراء العلماء على ان رؤية هلال رمضان يجب ان تكون بالبصر، ليس هذا فحسب اذ يجب في رأي البعض ان تكون الرؤية قاصرة على البصر المجرد دون الاستعانة بآلة أو عدسة لتقريب المسافات أو دون الاستعانة

بالمراصد والحسابات الفلكية لادراك الهلال!.
والحجة التي يستند لها أصحاب هذا الرأي ويتساندون عليها هي الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف عليها من ناحية الثبوت، وهي من هذه الناحية قطعية الثبوت الا أنها قطعا ظنية الدلالة مثل حديث (صوموا لرؤيته وأفطر والرؤيته فان غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ومن هذا الحديث وغيره رأى علماء المدرسة السلفية وجوب «رؤية الهلال بالعين المجردة» وقد أجاز البعض مثل بن باز وبن عثيمين الاستعانة بالعدسات التلسكوبية واشترط الألباني رحمه الله ان تكون الرؤية بصرية أي بالبصر دون الاستناد لوسيلة رؤية معرفية أخرى.
واذا كانت الأحاديث الشريفة قد وردت بها ألفاظ الرؤية على اطلاقها دون ان تتقيد بالبصر فانه لا يجوز صرفها الى الرؤية البصرية دون غيرها من وسائل الادراك لأن الرؤية أوسع وأعم وأشمل من المشاهدة والبصر والنظر، ولا يجوز الاستناد الى فعل الرسول والصحابة والأجيال التي تلتهم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مشرعا لجيل واحد في زمن واحد، ولأن غم الهلال على الناس أو ستره قد يكون لقوم ليست لديهم امكانيات الرؤية العلمية فماذا يفعلون حينئذ؟ يفعلون ما أمرهم به الرسول
صلى الله عليه وسلم في الحديث، أما الذين يمتلكون كل الممكنات العلمية والعقلية والحسابات العلمية والفلكية والمراصد وغيرها مما ستتيحه العلوم المستقبلية لهم فلن يغم عليهم، هذا عن شبهة «ان غم علينا الهلال» أما وقد وردت الرؤية في الأحاديث على العموم فينبغي ان تفهم على سياق هذا العموم دون ان نضع لها قيد البصر، فالرؤية لغة غير النظر والبصر والمشاهدة، وقد وردت الرؤية في كثير من الآيات في القرآن الكريم على نحو يدل على الادراك بحاسة غير حاسة البصر وتدل على الادراك بالفؤاد والعقل والقلب، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى في الكثير من آيات (ألم تر) والتي اتفق المفسرون على ان معناها ألم تعلم.
أما الكلمة في اللغة التي تعني ادراك الأشياء بالعين فهي البصر كقوله سبحانه وتعالى (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) وفي سورة الأعراف (ولهم أعين لا يبصرون بها) وفي سورة طه (قال بصرت بما لم يبصروا به) وتستخدم كلمة البصر ومشتقاتها أحيانا للدلالة على الوضوح مثل قوله تعالى في سورة يونس (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا) وهذه الآية في حد ذاتها تشير الى ان الأيام والشهور والسنين انما تكون من توالي الليل والنهار ومن هذا التوالي نعرف العلوم الفلكية التي نحسب بها عدد السنين.
فاذا كانت كلمة الرؤية في اللغة عظيمة الاتساع في معانيها وفقا لما سبق فهي تعني الادراك بالنظر أو البصر أو المعرفة أو الفهم أو العلم فهل يصح لنا في مجال رؤية الهلال ان نضيق واسعا ونتجمد عند أحد معاني الرؤية دون باقي المعاني.

نقلا عن صحيفة الوطن الكويتية