رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبدالناصر العايد يكتب: الشرق الأوسط كميدان لحرب العصابات

جولة عربية

الاثنين, 30 يونيو 2014 13:12
عبدالناصر العايد يكتب: الشرق الأوسط كميدان لحرب العصابات
عبدالناصر العايد

أضحت منطقة الشرق الأوسط الميدان الأبرز لحرب العصابات في العالم، حيث تتكاثر التنظيمات المسلحة غير الشرعية كالفطر في مختلف أجزاء الإقليم، وتتصارع في ما بينها تحت عناوين دينية واثنية وثقافية ذات تأثير تعبوي كبير في مجتمعات المنطقة.

مما وفر مجالاً حيوياً لحركتها ونشاطها، بالتــساوق والانسجام مع نشاطها في الفضاء المعلوماتي ووسائل التواصل الاجتماعي، اللذين أتاحا إمكانية غير مسبوقة لتجنيد الأنصار والدعاية وجمع الأموال والمعلومات وبث الأخبار، ومع استيلاء بعضها بشكل مفاجئ على غرب العراق، وظهور العشرات منها على الضفة العقائدية الأخرى، واستنفارها جميعاً استعداداً لمواجهة واسعة النطاق، يصبح من الصعب أن نتخيل الشرق الأوسط أو مستقبله، من دون هذه الجماعات الدينية المسلحة.
تشترك تلك الجماعات بسمتين رئيسيتين، فمعظمها يستند من الناحية الفكرية إلى تفسير خاص للإسلام أو لتفصيل من تفصيلاته تشتق منه قضيتها السياسية التي تقاتل في سبيلها، ومــــن الناحية التنظيمية تحرص على سريَّة حالتها الداخلية ونظامها وقادتها ومنتسبيها، ومردُّ ذلك ليس فقط الضرورات الأمنية، بل لدوره في التجنيد وصناعة الجاذبية، فالشرقيون كما يقول المستشرقون لديهم ولع بالجمعيات والروابط السريّة، وفي شكل خاص اليافعين والشباب، وهم الشريحة المفضلة التي تسعى تلك التنظيمات لاستقطابها.
تتواجه اليوم معظم هذه الجماعات على شفيري

الصدع السنّي - الشيعي، ومع تفجر الأوضاع في العراق حيث البؤرة الواقعية والرمزية لهذا النزاع، سيتضاعف عددها وعديدها، وستشهد نشاطاتها توسعاً جديداً يتجاوز الحدود المعروفة والمألوفة، وبوسعنا أن نخاطر بوسم الطفرة المتوقعة بكونها حرب أهــــلية إقليمية، وهي وضعية سيفــلت خـــلالها زمام الــمبادرة من أيدي قادة المنطقة الرسميين ليصبح ملك تلك الجماعات ورهن بأولوياتـــها وخياراتها، التي يأتي في مقدمها رسم خريطة سياسية جديدة للمنطقة، أصبحت بعض معالمها ماثلة للعيان على أرض الواقع في أكثر من مكان.
ويطرح الحدث العراقي على قادة الشرق الأوسط ما يكاد يكون فرصة اللحظة الأخيرة للتفكير في كيفية الحيلولة دون تحول منطقتهم إلى مستنقع لحرب العصابات، وأول الإجراءات الواجب اتخاذها لوقف هذه الظاهرة قطع الشرايين الخارجية التي تغذيها، بخاصة تلك التي تدعمها أنظمة رسمية في شكل علني، وعلى رأسها النظام الايراني، الذي تسبب دعمه المباشر لحزب الله وغيره من الميلشيات الشيعية، في خلق وتصعيد الاستقطاب الحالي. أما الجماعات التي لا تتبع جهة أو نظاماً سياسياً، مثل معظم حركات الإسلام السياسي
السني المتشددة، فإن دعم المجتمعات التي تنشط فيها اقتصادياً وثقافياً وسياسياً ربما يكون السبيل الوحيد الممكن لتطويقها والقضاء عليها. وثالث الإجراءات العاجلة التي يجب اتخاذها تتجسد بوضع خطة أمنية منسقة بين مختلف الحكومات والدول للقضاء على الجماعات المســـتقلة والمعتمدة على مواردها الذاتية، واستنزافها حتى تضمحل وتموت.
لكن هذه الترتيبات لن تكون ذات جدوى ما لم تقترن بإصلاح النظام السياسي على المستويين الإقليمي والوطني، والاستجابة لمطلبي العدالة والمشاركة لمختلف الأطراف والفئات، فالتطرف الشرق أوسطي في عمقه الاجتماعي ناتج من الغبن السلطوي وفشل التنمية وتزايد معدلات الحرمان والإقصاء، وهو ما وجد معادله الموضوعي في هذه التشكيلات المسلحة العنيفة، إذ أن كل من تم إقصاؤه عن اللعبة السياسية أو حرم من الكعكة الاقتصادية، يمكنه اليوم أن يشكل جماعة مسلحة ويفسد اللعبة برمتها، فهو لا يملك ما يخسره.
مطلب العدالة والواقعية السياسية ليس ضرورة فقط للأنظمة القائمة التي بدأت المياه بالتسرب تحت أساساتها وتقوضها واحدة بعد الأخرى، بل هو ضرورة أكبر للأنظمة والقوى الجديدة التي نجمت عن التحولات التاريخية في المنطقة، فوصولها إلى السلطة مدفوعة برياح الثورات لا يعطيها شرعية مطلقة ولا يحميها، والحالة الثورية في عصر الموجة الحضارية الثالثة، أي ثورة المعلومات والاتصالات الفائقة، غير عكوسة.
وقد يكون من المفيد التذكير هنا بأن الشرق الأوسط ليس مجرد ملعب تخوض فيه تلك الجماعات منازلاتها السجالية الدامية، بل هو أيضاً مكان لتفريخ وتدريب عناصر جدد على تكتيكات حرب العصابات وأدواتها، التي يمكن أن تطبق في أي مكان في العالم.

نقلا عن صحيفة الحياة