أمجد عرار يكتب: التسامح ضد الفتنة

جولة عربية

الأحد, 20 أبريل 2014 11:19
أمجد عرار يكتب: التسامح ضد الفتنةأمجد عرار
بقلم: أمجد عرار

خبر وبرنامج على الشاشة يتزامنان معاً، وكلاهما يصب في نهر واحد . الخبر ينقل عن شيخ الأزهر، د . أحمد الطيب مطالبته الحكومة المصرية بجمع ترسانة السلاح غير المرخّص في كل محافظات مصر، قبل أن تحرق الأخضر واليابس وتضاعف من حالة الانفلات الأمني وتؤجج الصراع الثأري بين بعض القبائل والعائلات.

المطالبة المزدوجة الصادرة عن شيخ الأزهر شملت أيضاً حث قضاة مصر جميعاً بسرعة البت في الصراعات الثأرية وإعطاء كل ذي حق حقه ، حرصاً على تهدئة نفوس أسر الضحايا وإطفاء النيران المشتعلة داخلهم، باعتبار أن بطء التقاضي يهدر حقوق البعض، ويعطي الفرصة لتجدد هذه الصراعات .
البرنامج كان يجمع شخصين من عائلتين مصريتين يشتعل بينهما صراع دموي ذهب ضحيته أربعة عشر قتيلاً وما زال أفراد كل منهما يتربصون بأفراد الثانية، فيما التحديات المعيشية والحياتية تتربص بالجميع وبمصر كلّها وبالوطن العربي بمجمله . إنه واحد من البرامج النادرة في الفضائيات العربية التي تلامس حياة المواطن العربي وتشعر

المشاهد أن هناك ما يستطيع أن يخرج من مشاهدته بفائدة حقيقية . برنامج يلعب دور مؤسسة كبرى، وبأسلوب أنجع وأكثر تأثيراً وقابلية، إذ ليس من السهل أن تجمع طرفي نزاع دموي وتستدرجهما بالعقل والمنطق لينتهي بهما الأمر إلى عناق باكٍ ومؤثّرٍ، سيفضي لرأب الصدع ووقف نزيف الدم .
ثمة بون شاسع بين أن تمضي ساعة في مشاهدة إعلامي ينشر قيم التسامح والمحبة والوئام والوحدة الوطنية، وأن تمضي الساعة ذاتها في الاستماع لثعبان على شكل إنسان يبث سموم الفتنة ويحض على الضغينة والتفرقة العرقية والطائفية ويدعو لحرق البلاد والعباد، تحت عناوين مفبركة ومفتعلة ومأجورة، ولا تلتقي مع الحد الأدنى من القيم الأخلاقية والشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية .
لست أعرف إن كانت لغات أخرى غير العربية تتضمن مقولات من نوع "الصلح خير" و"المسامح كريم" و"الوعاء الكبير
يتّسع للوعاء الصغير"، لكنني أدرك أن تغلغل المعنى في الثقافة والسلوك أهم كثيراً من سريانها في مجرى اللغة بموازاة الدم . في ثقافتنا العربية كم من طاقة الثأر لو تفرّغ ربعها في مواجهة مغتصبي فلسطين لتحرّرت منذ ستين سنة . مع ذلك نحن أكثر الشعوب فتحاً لصنابير المصطلحات التوافقية والصلحية والتسامحية وتبويس اللحى، لكن لا يقابلها على الأرض سوى أنماط من الاشتباك الداخلي حتى لو عطس خاروف في وجه نعجة .
لم يعد أمام شعوبنا كثير من الوقت لتفهم ما يجري تحت أقدامها وما يسقط عليها من دعاوى تفتيت وشرذمة . وعندما يدعو شيخ الأزهر لجمع السلاح من أيدي الخارجين على القانون، فهي دعوة توقف إزهاق الارواح بالمجان، وعندما تمر البلاد بأوضاع أمنية صعبة تتداخل الفتن الاجتماعية مع الفتن السياسية ويصبح السلاح خادماً للحالتين، وحين نستنسخ عقلية البسوس يتحوّل الثأر إلى ثقافة قتل سهل مغلّف بعناوين جاذبة لمقبض السكين والحزام الناسف، وفي جوهرها تنفيذ لمخططات تدمير الأمة وحرف البوصلة بعيداً عن مشاكلها الأكثر أهمية وأعدائها الحقيقيين، وحينها لن يسأل أحد "من سيربح المليون"، بل سيخسر الجميع من نهر الدم . فلنشيح عيوننا عن دعاة القتل والخراب ولنستمع لمن يقول لنا إن "المسامح كريم" .