محمد نور الدين يكتب : أردوغان الآخر

جولة عربية

الجمعة, 18 أبريل 2014 09:03
محمد نور الدين يكتب : أردوغان الآخر

رغم تراجعه خمس نقاط عن انتخابات العام ،4201 فإن رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان تصدر الانتخابات البلدية، وبفارق يخوله القول إنه الرجل الأقوى في تركيا . لكن ذلك لا يتيح له أن يتخلص من مشكلاته الداخلية وعجزه الخارجي .

والمشكلة ليست فقط في الحملات التي تستهدفه، بل تكمن في الأساس في النهج الذي يتبعه على صعيد إحكام قبضته على السلطة والدولة وتصفية كل من يعارضه .
وعلى هذا فإن الانتخابات البلدية ليست سوى محطة في الصراع بين أردوغان ومنافسيه في الداخل وخصومه في الخارج .
والدليل الأكبر على استمرار الصراع محتدماً هو أن أردوغان توعد خصومه باستئصالهم، وبالتالي بمواصلة إجراءات تطويع مؤسسات الدولة لسياسات حزب العدالة والتنمية .
لم يسع أردوغان إلى فتح صفحة جديدة مع المعارضة على عادة الفائزين في أي انتخابات، بل دشن عهده الجديد بانتقاد شديد للمحكمة الدستورية، آخر حصن للدفاع عن الديمقراطية ومنع إسقاط الدولة بيد الأحزاب والأشخاص . وما إن أصدرت المحكمة الدستورية قراراً ببطلان قانون القضاء واعتباره انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات، حتى فجّر أردوغان غضبه على رئيسها هاشم كيليتش، متهماً إياه بأنه يعمل في السياسة من خلال القضاء، قائلاً إنه لن يسمح بذلك، وداعياً كيليتش إلى أن يخلع جبته القضائية ويخوض غمار السياسة . وهكذا اعتمد أردوغان على مبدأ تغيير المؤسسة كلها إذا لم يستطع تطويع المسؤولين عنها، ضارباً بعرض الحائط كل البدهيات التي تحكم تسيير مؤسسات الدولة، بحيث قال علناً إنه لا يحترم قرار المحكمة مثلاً في إبطال حجب موقع "تويتر" . فأي مسؤول في دولة ديمقراطية يتجرأ على قول ذلك بدلاً من احترام قرارات مؤسسة موجودة بل هي أعلى مؤسسة حقوقية في الدولة؟ وبذلك تحولت الأكثرية النيابية التي يملكها أردوغان في البرلمان إلى أداة لتنفيذ أهواء شخصية بما يعزز نزعة الاستبداد في تركيا .
أقل ما يمكن قوله إن مثل هذه السلوكيات تعيد تركيا سنوات إلى الوراء على صعيد الحريات والديمقراطية والمكتسبات الأوروبية . والضحية الأولى لهذه السياسات الانتقامية والاستئثارية هي

فرصة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث شهدت العلاقات التركية - الأوروبية سجالات حادة في الأيام الأخيرة ومن بينها ما حصل في اجتماعات اللجنة المشتركة بين أنقرة والمفوضية الأوروبية . إذ اعتبر ستيفان فولي مسؤول شؤون توسيع الاتحاد موجهاً كلامه إلى وزير الاتحاد الأوروبي في الحكومة التركية مولود جاويش أوغلو أن ما تعيشه تركيا يثير الإحباط ويبعدها عن الاتحاد الأوروبي . ودعا فولي إلى استقلالية القضاء التركي والبدء بتحقيق شفاف في قضايا الفساد .
وفي حوار مع إحدى الصحف التركية قال هاينز سفوبودا رئيس كتلة الاشتراكيين في البرلمان الأوروبي إن تركيا تواجه يومياً تشريعات تحد من الحريات فيها . ورأى في شخصية أردوغان ازدواجية وتقلباً . فعندما جاء إلى السلطة في العام 2002 كان إصلاحياً وعمل لدمج تركيا في الاتحاد الأوروبي . أما الآن فإنه يأخذ تركيا إلى الوراء ويعزلها عن العالم ويبعدها عن معايير كوبنهاغن . بل أكثر من ذلك يرى سفوبودا أن تركيا فقدت خصوصيتها كنموذج لبلدان الشرق الأوسط . فيما تقدم تونس نفسها كنموذج هو الأنجح في مجال الحريات والديمقراطية . وانتقد سفوبودا خطاب أردوغان بعد الانتخابات البلدية قائلاً إنه كان عدوانياً واستقطابياً ولا يعمل سوى لحفر حفرة للنظام الديمقراطي، بينما على الرئيس أن يكون حاضناً لشعبه وقادراً على حل المشكلات التي يعانيها .
لم تنقذ الانتخابات البلدية أردوغان من حتمية مواجهة المأزق المستمر والمفتوح منذ عدة أشهر داخلياً وخارجياً . لقد انفضّ كل حلفاء وشركاء الأمس عن أردوغان في الداخل، وفي الخارج لم يبق له صديق فعلي على امتداد الخارطة العربية والأوروبية والأمريكية . ولعل مقالات سايمور هيرش وروبرت فيسك الأخيرة المنتقدة بشدة لأردوغان واعتباره "دكتاتوراً صغيراً"، فضلاً عن الجمود في التواصل بين أردوغان والرئيس الأمريكي باراك أوباما هو من مؤشرات أن بقاء أردوغان في السلطة بل حتى انتخابه لاحقاً رئيساً للجمهورية لن يغير من معادلة أنه لم يعد قادراً على توفير الاستقرار لتركيا في ظل استمراره في السلطة .
نقلا عن صحيفة الخليج