د . رغيد الصلح يكتب :مع التكامل الإقليمي إلا إذا كان عربياً

جولة عربية

الجمعة, 18 أبريل 2014 09:01
د . رغيد الصلح يكتب :مع التكامل الإقليمي إلا إذا كان عربياً

إذا كان لجهة رسمية أن تنتقد تقرير "التكامل العربي"، الصادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا - "الاسكوا"، فإنها الدول العربية،

وخاصة تلك الممثلة في "الاسكوا" . فالتقرير ينتقد، بصورة غير مباشرة، الكثير من الثغرات والنقائص في النظام الإقليمي العربي . يقول التقرير بالنص، "لقد فوتت المنطقة العربية في الماضي الكثير من ثمار الحد الأدنى من التكامل في التنمية الإنسانية والأمن القومي، وأضاعت فرصاً هائلة كان يمكن للتكامل العربي أن يتيحها لبناء وطن ناهض يصون الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية لكل مواطن عربي" . وعندما يتحدث التقرير عن المنطقة وضياع الفرص فإنه يوجه انتقاداً إلى حكومات المنطقة وإلى النخب السياسية العربية . رغم ذلك لم يصدر عن أية حكومة عربية أو سلطات عربية رسمية ما يدل، مباشرة أو غير مباشرة، على ضيقها بهذا النقد، ولا طالبت أية جهة حكومية، لا في السر ولا في العلن، بمصادرة التقرير أو بسحبه من التداول ولا أعلنت التحفظ على المعلومات التي جاءت فيه أو التحليلات التي تضمنها، أو على الجهة التي رعته .
ولكن، كما يعلم الكثيرون، وكما تداولت وسائل الإعلام، فقد صدر رد فعل قوي، صاخب، صيغ بلغة التعالي والتهديد ليس ضد التقرير فحسب، وإنما ضد الاسكوا وضد أمينتها التنفيذية أيضاً، فممن جاءت ردة الفعل هذه التي شبهت "بالبلطجة الدبلوماسية"؟ جاءت من الحكومة "الإسرائيلية" التي لا تكف عن تذكير العالم بأن "إسرائيل" هي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق" . فلماذا هذه الغضبة "الإسرائيلية"؟ ولماذا تقف هذه "الديمقراطية الاستثنائية" ضد اضطلاع الأمم المتحدة بانتقاد أوضاع تهدد الأمن والسلام الدوليين، علماً بأنها نشأت من أجل تخليص العالم من هذه التهديدات؟
من الضروري التذكير هنا، وفي كل مناسبة، تحمل فيها مراجع "إسرائيلية" وصهيونية على هيئة الأمم المتحدة، بأن سجل العلاقة بين المنظمة الدولية و"إسرائيل" والصهيونية حافل بالألغام والمطبات .
صحيح أن "إسرائيل" هي وحدها الكيان الذي نشأ بقرار من الأمم المتحدة . وصحيح أن مبادئ الوفاء، بل وحتى الحكمة السياسية

تقضي بأن على "إسرائيل" أن تراعي دوماً هذه الواقعة التاريخية، هذا صحيح، ولكن "إسرائيل" قلما فعلت ذلك . فالحركة الصهيونية لم تعرف بالوفاء لمن أيدها أو لمن ساعد اليهود . إن تاريخها على العكس من ذلك، يدل على تنكرها للكثيرين من هؤلاء . تاريخ علاقتها مع بريطانيا شاهد كبير على ذلك . أما علاقتها مع المنظمة الدولية فقد تخللها اغتيال الوسيط الدولي الكونت فولك برنادوت، والمطالبة باستبدال المنظمة الدولية بأخرى للدول الغربية -ومنها "إسرائيل" طبعاً- وحدها، والاعتداءات المستمرة على قوات يونيفيل في جنوبي لبنان، والحملات الإعلامية العنيفة ضد الأمم المتحدة لأنها تنتقد "إسرائيل" والصهيونية بين الحين والآخر . بهذا المعنى فإن توجيه النقد ضد الأمم المتحدة لا يعني خروجاً عن سياسة "إسرائيلية" متبعة أو حياداً عن تقاليد مترسخة في السياسة "الإسرائيلية"، بالعكس أنه تجديد لتراث قديم معاد للنزعات الإنسانية والأممية وللمنظمات التي تمثلها .
لقد انتقد التقرير "إسرائيل" بسبب استمرارها في سياسة الاحتلال وعملها الدائم على توسيع الاحتلال وتعميقه عبر المستوطنات . وتضمن التقرير انتقادات أخرى متعددة للسياسة "الإسرائيلية" وللعقيدة وللحركة الصهيونية . ولكن هذه الانتقادات تصدر في كثير من الأحيان عن سياسيين "إسرائيليين" وعن منظمات مدنية "إسرائيلية" وعن أعلى المراجع الدولية في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية . وكثيراً ما صدر هذا النقد عن جهات تتخوف من آثار النزعة المغامرة التي تحكم "إسرائيل" على الأمن الإقليمي والعالمي، بل وعلى مستقبل اليهود في العالم . واشترك في توجيه هذا النقد شخصيات ودولية بارزة . ومن بين هؤلاء من كان يوجه انتقاداته ونصائحه في السر وفي لقاءاته مع الزعماء "الإسرائيليين" إلى أن أدرك أنهم يصابون بالصمم عندما
يبدأ الحديث عن تحرير الضفة والقطاع وهضبة الجولان وما تبقى من القرى اللبنانية المحتلة .
إن استمرار هذه الانتقادات، رغم إعراب الزعماء "الإسرائيليين" عن ضيقهم بها، قد يبرر ردة الفعل على تقرير الاسكوا، ويفسرالانفعال الذي طبع ردود فعل رون بروسور السفير "الإسرائيلي" إلى الأمم المتحدة، على التقرير . ولكن الزعماء "الإسرائيليين" يعرفون، بحكم التجارب، أن تصميمهم على تنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى" لن يمر بسهولة وأنه سوف يصطدم بمعارضة دولية وعربية . بهذا المعيار فإن النقد الدولي الموجه إلى الحكومة "الإسرائيلية" هو ثمن بسيط تدفعه لقاء تحقيق حلم الصهيوني القديم . استطراداً فإن المعارضة الدولية للسياسة "الإسرائيلية" قد تكون مصدر ازعاج للزعماء الصهاينة، وأن السعي إلى إسكات الحملات ضد "إسرائيل"، خاصة تلك التي تنتشر بين اليهود في الشتات هو سبب مهم من الأسباب التي دفعت إلى تقديم الشكوى ضد تقرير "الاسكوا"، ولكنه لا يشكل، وحده، مبرراً للحملة العنيفة على التقرير .
إن السبب الثاني الذي قد يفوق الأول أهمية هو موضوع التقرير نفسه . ذلك أن "إسرائيل" ناهضت، وبأشكال متنوعة وفي مناسبات مختلفة كل أشكال التعاون العربي، من أدنى أشكال التعاون المتمثل بمنظمة إقليمية محدودة الصلاحيات مثل الجامعة العربية إلى مشاريع الوحدة العربية مثل الجمهورية العربية المتحدة . سيراً على هذا الطريق، ولما بدأت الحكومات العربية بإجراء "مباحثات الوحدة العربية" في مطلع الأربعينات، ردت الوكالة اليهودية على هذه المبادرة بالاتصال مع الحكومات الغربية المعنية وبإبلاغها بأنها لا تقبل بقيام مشروع إقليمي من هذا النوع إذا لم تكن عضواً فيه . وقد تلقى حاييم وايزمان، باعتباره زعيماً للحركة الصهيونية، تأكيدات قاطعة بأن موقف الحكومات الغربية المعنية بمسألة العلاقات الإقليمية هو مطابق تماماً لموقف الحركة الصهيونية .
لبثت الدول الغربية متمسكة بهذا المبدأ الذي وضعته الحركة الصهيونية تمسكاً تاماً منذ قيام النظام الإقليمي العربي وحتى هذا التاريخ . فهي تعمل بحماسة على الترويج للمشاريع الإقليمية التي تضم "إسرائيل" في عضويتها، مثل الاتحاد من أجل المتوسط، أما موقفها تجاه التكامل الإقليمي العربي فإنه يتسم بالتحفظ . ولا تطلب "إسرائيل" من أصدقائها أكثر من التمسك بسياسة التحفظ هذه ما دامت مشاريع التكامل العربي تتراكم في مستودعات السياسة العربية . أما إذا حركت هذه المشاريع، ولو في إطار مبادرة فكرية الطابع ووثيقة صادرة عن إحدى منظمات الأمم المتحدة، فإن السياسة "الإسرائيلية" تتحرك بكل اندفاع من أجل إبقاء المبادرة في أدنى مستوياتها، ولإعادتها إلى الاستيداع وفقاً لمتطلبات السياسة والمصالح "الإسرائيلية" .
نقلا عن صحيفة الخليج