حسان حيدر يكتب : تفكيك روسيا

جولة عربية

الخميس, 17 أبريل 2014 14:28
حسان حيدر يكتب : تفكيك روسيا حسان حيدر

بالتزامن مع أزمة أوكرانيا، طالب نواب في البرلمان الروسي النيابة العامة بفتح تحقيق جنائي تمهيداً لمحاكمة المسؤولين عن سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكيكه

وانقلاب بعض اجزائه السابقة ضد موسكو، وقالوا إن رؤساء جمهوريات روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا خالفوا نتيجة استفتاء عام أجري في 1991 وطالبت فيه غالبية المواطنين السوفيات بالحفاظ على الاتحاد، لكن فات هؤلاء النواب ان «مأساتهم» قد تتكرر وأنهم قد يواجهون قريباً خطر التفكك ذاته الذي سيطاول هذه المرة روسيا نفسها.
قد يبدو هذا الكلام غير منطقي في الوقت الذي تحقق فيه موسكو «انتصارات» في أوكرانيا حيث ضمت القرم في الجنوب وتوشك على التدخل في الشرق بذريعة حماية الأقلية الناطقة بالروسية او لمنع وقوع «حرب أهلية» تواصل الحديث عنها، وأيضاً في سورية حيث نجحت في الحفاظ على نظام بشار الأسد ومدّته بعناصر الصمود العسكرية والاقتصادية وشكلت حاجزاً حال حتى الآن دون تدخل دولي لردعه.
لكنّ روسيا التي تتحدى العالم كله تقريباً بخوضها هاتين المغامرتين اللتين لن تقوى على مواصلة ادارتهما بنجاح لوقت طويل لأسباب متعددة، تنتقل بسرعة نحو «السوفياتية»، ما يعني انها ستواجه قريباً الحصار نفسه الذي واجهه سلفها الأكبر، والمصير نفسه الذي آل اليه المعسكر الاشتراكي السابق، ذلك ان المشكلة ليست في قرار اتخذه بعض قادة الاتحاد السوفياتي السابقين، بل في النظام الشمولي نفسه الذي فشل في التكيف مع متطلبات شعوبه، وخصوصاً في الحرية والديموقراطية، والذي تستعيد القيادة الروسية الحالية بعض خطابه وأساليب عمله.
فأجواء «الحرب الباردة» التي انهكت السوفيات تحيط مجدداً بروسيا حيث تتنامى النزعة القومية التي يشجعها بوتين بعدما وصف ضم

القرم بأنه «استعادة» لحق تاريخي. وفي المقابل عاد خبراء الشؤون الروسية الى الضوء في مقر الحلف الاطلسي في بروكسيل حيث رفعت خرائط شرق أوروبا، ودعا الامين العام للحلف اندرس فوغ راسموسن موسكو الى التوقف عن «محاولة العودة بالزمن الى الوراء».
وثمة من يقول إن موسكو تدخلت في أوكرانيا عملاً بمفهوم «الحرب الباردة»، بعدما فوجئت بخسارة الورقة الإيرانية التي استخدمتها خلال العقد الماضي، نتيجة بدء المفاوضات بين الغرب وطهران، فسعت الى تعويضها. ويعني ذلك أنها قد تقدم على مغامرات جديدة، مثلما توحي بذلك تحركات في منطقة ترانسنيستريا المولدافية الموالية لروسيا والقريبة من الحدود مع أوكرانيا.
لكن نتائج عودة «الحرب الباردة» التي يتنصل الجميع من المسؤولية عن إحيائها، لن تكون حتماً في مصلحة موسكو، فقد بدأت اوروبا التي تستمد أكثر من ثلث حاجتها من الغاز من روسيا البحث عن بدائل لن تتأخر كثيراً، واتخذ الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة إجراءات عقابية قد لا تكون مؤلمة كثيراً حتى الآن لكنها قابلة للتوسع تدريجاً وقد توقع روسيا في عزلة شبه كاملة اذا واصلت زعزعة الاستقرار في شرق أوروبا.
إن مصائر الدول لا تقاس بالأشهر ولا السنوات، فمعركة إسقاط العملاق السوفياتي السابق استغرقت 70 عاماً استخدم الغرب خلالها كل آلته الاعلامية والاقتصادية والاستخباراتية والتقنية، وانتهت بإعلان إفلاس قائد المعسكر الاشتراكي ثم القبول بتقسيمه دولاً متعددة. اما روسيا الحالية فلا تمتلك امكانات الصمود طويلاً، ذلك ان موازنة الحلف الأطلسي وحده تفوق موازنتها بإثني عشر ضعفاً، فكيف إذا قرر الغرب مجتمعاً ان يعاقبها بقسوة، وهو احتمال وارد جداً.
نقلا عن صحيفة الحياة