محمود الريماوي يكتب : أية انتخابات في العراق؟

جولة عربية

الاثنين, 14 أبريل 2014 11:17
محمود الريماوي يكتب : أية انتخابات في العراق؟

يشهد العراق في الثلاثين من إبريل/نيسان الجاري عملية انتخابات تشريعية، وسط أجواء من التوتر الأمني والانقسامات السياسية والاجتماعية الحادة،

على نحو يقلل من أهمية هذا الاستحقاق . مندوب الأمم المتحدة إلى العراق نيكولاي ملادينوف، يلاحظ أن "الحملات الانتخابية تشهد تصعيداً الى أقصى الحدود بين المتنافسين" . هذه الملاحظة تؤشر الى أن الانتخابات ذاتها هي جزء من المنازلات والاستقطابات الأوسع التي تضرب المجتمع السياسي العراقي والمجتمع بعامة، وأن الأمر يتعدى التنافس الانتخابي الى حرب بالكلمات والشعارات والخطابات وتجاور التفجيرات المتنقلة، ذلك أن حكومة نوري المالكي أخفقت خلال ولايتين إخفاقاً ذريعاً في تمثيل العراقيين، وفي الإعلاء من شأن الدولة الكافلة للعدالة ولعموم القوانين، ودأبت على الظهور عملياً كطرف في النزاع الأهلي المفتوح .
ليس أدل على ذلك مما تعانيه مدينة الفلوجة وعموم محافظة الأنبار (ثلث مساحة البلاد) . وبينما يتحدث المالكي عن جهوده لمكافحة الإرهاب، فإن المشكلة التي تعود إلى أكثر من عام مضى تكمن في رفض الحكم الفئوي التحاور مع المحتجين في الرمادي، والاستجابة لمطالبهم، رغم أن هؤلاء لم يستخدموا السلاح ولم يهددوا به . الآن في الفلوجة آلاف العائلات يتم التنكيل بها وتشريدها، وهو ما يشكو منه نوابٌ علانية . فقدان الثقة والتهجير لشرائح واسعة من المجتمع العراقي يسلبان الانتخابات معناها، إذ يؤديان واقعياً الى إقصاء هؤلاء عن الممارسة السياسية، نظرا لأن أولوياتهم تكمن في مكان آخر هو تحقيق العدالة والكف عن الفئوية، والتوقف عن وصم فئات اجتماعية بالإرهاب، علماً بأن الإرهاب متعدد المصادر والأدوات في بلاد الرافدين ولا يقتصر على فئة بعينها، وأمراء الحرب معروفون للشارع العراقي، ومن يسخر الدولة وأجهزتها وأموالها لمشروعات حزبية معروف أيضاً .
سبق أن شهد العراق حكومات قادها على الخصوص ابراهيم الجعفري وإياد علاوي، وكانت واعدة بأن تسير العملية السياسية إلى غاياتها، وقد غادر الرجلان موقع رئاسة السلطة التنفيذية، من دون مشكلات تذكر وبلا أي تمنع، لكن المالكي ومنذ أن تم التلاعب بنتائج الانتخابات السابقة، كشف عن سعيه للبقاء حاكماً أبدياً يجمع في يده كل السلطات بما في ذلك سلطة رئيس الدولة ونائب رئيس الدولة، ناهيك عن الداخلية والدفاع وأجهزة الأمن والقوات المسلحة، وها هو يستعد للفوز بولاية ثالثة وسط خراب سياسي تشهده البلاد وتدخلات إقليمية مسموح بها، مع تدخلات مرعية رسمياً في البلد الجار سوريا، واضطراب شديد في العلاقات مع المحيط العربي، الخليجي خصوصاً، واستنزاف للثروات، حتى بات زهاء نصف العراقيين تحت

خط الفقر في بلد يعتبر في صدارة دول العالم المنتجة والمصدرة للنفط .
وسط هذه الأجواء الشاذة رأينا كيف قدمت لجنة الانتخابات (المفوضية العليا) استقالتها، وكيف تم حمل اللجنة حملاً ودفعها دفعاً للعودة عن الاستقالة، وكيف استبق المالكي الانتخابات برفض عرض الميزانية العامة على البرلمان، بما يكشف عن الرؤية الحكومية لدور البرلمان في الرقابة والتشريع، والأطرف من ذلك أن المالكي يخوض الانتخابات عبر عشرة كيانات سياسية جرى ترشيحها ولا تقتصر على تياره "ائتلاف دولة القانون"، وبين الكيانات السياسية الرديفة والحليفة له ميليشيات مسلحة معروفة تقدمت باعتبارها كيانات سياسية وجرت المصادقة على ترشيحها، ومنها على سبيل المثال "منظمة بدر" .
عندما يتفشى نزاع أهلي وتسود انشطارات اجتماعية عمودية وأفقية، وحين تختلط الميليشيات بالأجهزة الرسمية ، فإن آخر شيء يمكن التفكير به كعلاج لهذه الحالة الشاذة هو إجراء انتخابات برلمانية، ذلك أن انتخابات في هذه الاجواء سوف تقتصر وظيفتها على تكريس النزاع واختيار ممثلين ومندوبين عنه، فيما الحل يكمن في مكان آخر كحال النزاعات التي شهدها عالمنا ، ومنه بعض الدول العربية مثل لبنان، إذ لم يكن ممكناً ولا منطقياً اجراء انتخابات في أجواء نزاع أهلي مفتوح، والبديل عن ذلك هو اجراء مصالحات وطنية عبر اتفاق سياسي ملزم ترعاه أطراف إقليمية مختلفة كما كان حال اتفاق الطائف اللبناني، الذي أعاد الحياة الى طبيعتها نسبياً في بلاد الأرز مع مطلع تسعينات القرن الماضي ووضع عملياً حداً نهائياً للحرب ضمن حد أدنى من التوافق السياسي والوطني العام، وبعيداً عن منطق الغلبة والتغليب، وترافق معه إعادة معظم المهجرين إلى مناطقهم وبيوتهم، ثم إجراء انتخابات . بينما العراق يشهد علناً هذه الأيام عمليات تهجير وتشتيت وتنكيل، ولا يتردد المالكي بالقول إن الحملة على الإرهابيين سيضار منها المدنيون وأنه لا مناص من ذلك . ويا لها من حملة على الارهاب تلك التي تطاول صالح المطلك نائب المالكي في رئاسة الوزراء، الذي تعرض لمحاولة اغتيال الجمعة الماضي 11 إبريل/نيسان الجاري، علاوة على تعرض خصوم المالكي السياسيين لحملات مماثلة خلال الأعوام الثلاثة الماضية ومنهم أياد علاوي . وإذا كانت "القاعدة" ما زالت ناشطة في بلاد الرافدين، فإن الأجواء السياسية المحمومة، تسهم إلى حد بعيد في الانفلات الأمني الذي تستفيد منه وتستغله "القاعدة"، وكذلك سائر الطائفيين إلى أية طائفة انتموا، وفي دوامة من الاستهدافات وعمليات الثأر التي لا نهاية لها، فعن أية انتخابات يتحدثون؟
نقلا عن صحيفة الخليج