رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عاطف الغمرى يكتب : دولة أمريكا ليست عقيدة

جولة عربية

الأربعاء, 19 مارس 2014 09:25
عاطف الغمرى يكتب : دولة أمريكا ليست عقيدة

المؤرخ الأمريكي ريتشارد هوفستاد، هو صاحب مقولة: أمريكا دولة أم عقيدة؟ . . والتي فسرها بقوله إن الأمريكي يرى بلاده لا تحتاج لأن تكون لها أيديولوجية، لأنه مقتنع بأن أمريكا في حد ذاتها أيديولوجية .

وهذه التعبيرات تعكس حالة عاشها الأمريكيون قروناً، منذ ظهور مصطلح القرن الأمريكي في عام ،1914 لا يتصورون لبلادهم وضعا آخر، يخالف كونها القوة العظمى، وهو ما رسخ من فكرة الهيمنة في العقل السياسي الأمريكي .
وعندما بدأ العالم يشهد تغيرات كبرى، ببروز الصين، وقوى أخرى نهضت اقتصادياً، ما يضعها في موقف منافسة مع أمريكا التي أخذت قوتها تتراجع نسبياً، منذ غزو العراق عام ،2003 فقد كان على الولايات المتحدة، صياغة استراتيجية عالمية تستوعب هذا التغيير . لكن ما حدث عقب صدمة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، هو دخول أمريكا في مرحلة من الارتباك السياسي، ما دفع قطاعاً هائلاً من النخبة وأصحاب التخصص في السياسة الخارجية، لطرح أفكار تتناقض تماماً مع استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعلنها جورج بوش، وبنى عليها مسارات سياسته الخارجية، وكانت هذه الأفكار تحت مسمى عام هو التغيير، وظلت النخبة طوال عشر سنوات، تبحث عن استراتيجية بديلة، لكن جهودهم قصرت عن صياغة استراتيجية متكاملة ومترابطة، وظهر ذلك في انقسامات بين النخبة، فهناك من دعوا إلى تخلي الفكر السياسي الأمريكي عن مفهوم الهيمنة، ومن ظلوا أسرى فكرة بقاء أمريكا قوة عظمى وحيدة ومهيمنة مهما كانت الظروف . حتى إن البعض شبه النظام العالمي الحالي بالسوق الذي يدور فيه التنافس بين قوى متعددة، وليس فيه احتكار قوة واحدة للسوق .
وحين جاءت فترة حكم أوباما، فقد ظهر أنه يفتقد الطريق الواضح أمامه، فهو قد أعترف في بداية حكمه بخطابه في افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مناسبات أخرى متعددة، بأن الولايات المتحدة في ظروف هذا العصر المتغير، لم تعد تستطيع أن تتصدى بمفردها للتحديات التي تواجهها أو أن تقوم وحدها بحل المشاكل الإقليمية والعالمية، وأنها تحتاج إلى شركاء يتعاونون معها . لكنه لم يحول هذا المبدأ إلى واقع عملي، بإدخال تغيير في السياسة الخارجية، ينهي مفاهيم الهيمنة وممارساتها، حتى يمكن للشركاء الذين يريدهم، أن يمدوا أيديهم إليه . وكان من أدوات الإبقاء على الهيمنة، إشعال الحروب، وإثارة الفوضى، في دول تريد الولايات المتحدة إضعاف قدراتها الذاتية، حتى لا يضعف من قدرة أمريكا على الهيمنة عليها . ثم أن هذا النهج من شأنه، أن يفقدها المصداقية في نظر الشعوب الأخرى، ولا يهيئ لها فرص مشاركتهم لها في التصدي للتحديات التي تواجهها .
لا خلاف على أن الولايات المتحدة متقدمة في تمتعها بالثراء، وبتفوق مؤسساتها الأكاديمية، وحيوية المجتمع المدني، ونجاح شركاتها، وصناعاتها، وجامعاتها، لكن الساحة العالمية لم تعد احتكاراً لما تتميز به الولايات المتحدة، فهناك الآن منافسون، في مجالات متعددة، منها إنتاج مكونات التكنولوجيا الحديثة؛ مثل الصين والهند اللذين دخل إنتاجهما منافساً في السوق الأمريكية ذاتها، وأيضا في أسواق أوروبا . وهو ما دعا مؤسسات الفكر السياسي في الولايات

المتحدة، للتنبيه إلى أن أمريكا تنقصها استراتيجية عالمية تستوعب كل مظاهر التغيير في العالم، وخاصة التخلص من فكر الهيمنة .
ومن المعروف أن الولايات المتحدة، بها مدرستان أساسيتان في السياسة الخارجية، إحداهما المدرسة الواقعية، والثانية المدرسة المثالية، ويتوزع على كل منهما قيادات بارزة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي .
والمدرسة المثالية تؤمن بالسيادة المطلقة على العالم، وأن على الولايات المتحدة، أن تفرض قيمها ومبادئها على الدول الأخرى، ولو بالقوة، أي فرض الهيمنة . والمدرسة الواقعية تؤمن بالسيادة النسبية، بمساعدة آخرين، بالإغراء، والإقناع، وتبادل المنافع، وبتأثير القوة الناعمة، وليس باستخدام القوة .
وكما يقول المفكر السياسي الأمريكي جو مارشيمر، في كتابه "مأساة سياسات القوى الكبرى"، إن الولايات المتحدة، تميل إلى العداء للواقعية، لأنها تصطدم بقيمها ومبادئها الأساسية، وإن المثالية تناسبها أكثر .
وربما تكون الدراسة التي حملت عنوان "الواقعية والربيع العربي"، والتي نشرتها مجلة "أتلانتيك"، قد عبرت عن المعنى نفسه حين قالت: إن رد فعل إدارة أوباما على أحداث الربيع العربي، يتفق مع وجهة نظر البروفيسور مارشيمر . أي أن هناك تشبثاً بفكرة الهيمنة الغائرة، في عقول الذين تسيطر عليهم فكرة، أن أمريكا عقيده، وليست فقط دولة . إن تأخر أمريكا في صياغة استراتيجية تستوعب التغييرات المتسارعة في العالم، وتتواءم معها، قد تأثر إلى حد بعيد، بتطورات جاءت بمنزلة صدمات للعقل السياسي الأمريكي . أولها وأهمها الصعود القوي والمتواصل للصين، كقوة عالمية، تغير من ميزان القوى في العالم . والثاني أحداث ما أسماه الغرب بالربيع العربي، التي سببت تشوشاً وتشتتاً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، نتيجة غياب حالة اليقين من المستقبل، وما يمكن أن تؤدي إليه هذه التطورات، من تأثير في المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة بعد أن كانت الولايات المتحدة قد تبنت استراتيجية التوجه نحو آسيا، بما يعني التخفيف من تركيز استراتيجيتها على الشرق الأوسط، ثم فوجئت بأحداث الشرق الأوسط، تجذب انتباهها مرة أخرى إلى المنطقة . وأصبح عليها الآن أن تختار طريقها .
نقلا عن صحيفة الخليج