رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

يوسف الديني يكتب: أزمة «سلوك سياسي» تجتاح المنطقة!

جولة عربية

الأربعاء, 19 مارس 2014 09:17
يوسف الديني يكتب: أزمة «سلوك سياسي» تجتاح المنطقة!

كيف يمكن أن نقرأ «تصريحات المالكي» تجاه المملكة بمعزل عن السياق العام الذي يعصف بالعراق ويحوله إلى نموذج للدولة الطائفية الفاشلة، التي ترحل مشكلاتها الداخلية إلى الخارج بهدف التجييش والتهويم السياسي؟

الشيء ذاته يمكن قوله عن إيران، وبدرجة أقل عن دول تحاول تصدير الأزمات إلى جزء من «هويتها السياسية»، وهو ما يمكن معه قراءة المواقف الخليجية الأخيرة الحاسمة وغير المسبوقة تجاه «التجديف السياسي القطري»، وهي ظواهر يجب قراءتها متصلة (في سياقاتها العامة) ومنفصلة (بتقييم السلوك السياسي لكل دولة).
الصورة المكبّرة لهذه الظاهرة هي أن المنطقة عاشت منطقين خادعين منذ حرب العراق وبداية التبشير بشرق أوسط جديد: المنطق الأول هو محاولة استنبات شكلاني للديمقراطية بالقوة، وبطريقة كلاسيكية بإسقاط الديكتاتور وإحلال المعارضة المصنوعة على عجل في الخارج لتحل مكانه دون الاكتراث بعقلها السياسي الذي يشمل القيم والبرامج وآليات الأداء، وضمان عدم التحول من ديكتاتورية الفرد إلى ديكتاتورية الطائفة/ الحزب.
المنطق الثاني: الالتفاف على ديمقراطية الدبابات، بتجريب ديمقراطية المكونات السياسية القادرة على قلب المشهد، وهنا تم تقييم إعادة العلاقة بالإسلام السياسي من عدو محتمل إلى حليف محتمل، في ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، في قراءة سطحية للظاهرة المعقّدة أسهم في تكريسها سلوك الإسلام السياسي البراغماتي، الذي لم يتوان في

خلع كل عباءاته الآيديولوجية في رحلة العبور الشاقة والقصيرة نحو السلطة، وهذا لا يعني بحال انتقاص حق التمثيل السياسي لأي فصيل، ولكن التحولات الحادّة من تكفير وتجريم الديمقراطية إلى اعتبار أنها هي الحل ودون أي إعادة تأهيل لمفاهيم تأخذ عقودا لتتحول إلى قناعات وسلوك، تضعنا أمام ازدواجية سياسية خطيرة بتحويل الديمقراطية من قيم وسلوك وأسلوب حياة إلى أداة سحرية للوصول للسلطة، ومن ثم العودة إلى القيم الحاكمة كالشمولية وسياسة «الوصاية».
بالعودة إلى ظاهرة «ترحيل المشكلات وتصديرها» في عالم السياسة، فإننا لا يمكن أن نفهمها بشكل جيد دون وضعها في سياق «السلوك السياسي» الذي تشكل كمدرسة تحليلية في منتصف الخمسينات من القرن العشرين، وكان ثورة في حد ذاته.. لأنها تعاملت مع الظواهر السياسية ليست كحالات منفصلة لا يمكن وضعها في إطار نظري عام بغية الوصول إلى قوانين تفسيرية لكل الظواهر، ولكن كما يقول ديفيد إيستون بضرورة قراءة كل التفاعلات السياسية خارج إطار العشوائية للتنبؤ بالمسارات المستقبلية لها، ومن هنا يجب الفصل بين القيم والوقائع في عملية التحليل السياسي، وهذا ما نفتقده
في قراءتنا للأحداث.
بعيدا عن التشاؤم المفرط فإنه من المرجح أن تزداد أزمات السلوك السياسي في المنطقة كجزء من فاتورة «الربيع العربي» ومحاولة إعادة بناء التوازنات والتحالفات الإقليمية بسبب عدد من التطورات المتسارعة في المنطقة، لا سيما في سوريا التي يعيش فيها نظام الأسد الدموي أفضل حالاته، وقد تصل به الجسارة، في ظل ارتباك المجتمع الدولي تجاه سوريا، إلى ترشيح نفسه لولاية ثانية، ردا على فشل «جنيف 2»، واستعادته لمناطق جوهرية على رأسها يبرود عاصمة القلمون، وهو ما لا يمكن فصله عن تراجع المعارضة السورية بسبب تحولات في الدول الداعمة، وتحديدا تركيا وقطر، هذا عدا عن تعاظم الاهتمام الغربي بقضية المقاتلين الأجانب وارتدادات الحالة السورية على الخارج في قراءة بالغة التسطيح للإرهاب، باعتباره سببا وليس نتيجة للإهمال والتباطؤ في نصرة الشعب السوري.
الأجواء المتوترة في العراق والتي تقود المالكي إلى السقوط سياسيا، وهو عادة ما يسبق لحظات الخروج من اللعبة، إضافة إلى وجود محاولات حثيثة لتثوير الملف البحريني من قبل المعارضة، وتحول الحالة المصرية إلى نزاع في الماضي بشأن «شرعية 30 يونيو/ حزيران» التي لم تتجاوزها لا الحكومة ولا الإخوان ومناصروهم، ولا ينتهي الحال بالطبع أمام حالة الود السياسي بين إيران والدول الغربية، والتي قد تنتهي في نهاية المطاف بصفقة كبرى تدفع فيها إيران أثمانا خارجية كتقليم أظافر حزب الله، أو التخلي عن امتداداتها السياسية في المنطقة، لكنها حتما لن ترضي سقف المطالب للدول الخليجية حول عقلنة سلوك إيران السياسي.. باختصار كل ذلك يجعلنا أمام أزمة سلوك تجتاح المنطقة وتنبئ بصيف عربي ساخن.
نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط