رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بول سالم يكتب : مصر تحتاج إلى قيادة اقتصادية جريئة

جولة عربية

الجمعة, 14 مارس 2014 09:12
 بول سالم  يكتب : مصر تحتاج إلى قيادة اقتصادية جريئةبول سالم

في السنوات الثلاث الماضية، تمحورت التغطية الإعلامية لمصر حول الأحداث السياسية الدراماتيكيّة. لكنّ ما شكّل الأرضية الخصبة للانتفاضات المتعدّدة هو الوضع الاقتصادي المتردّي. وفي حال بقي التدهور الاقتصادي مستمرّاً، قد تقع مصر في السنوات القليلة القادمة في هاوية اقتصاديّة، وسرعان ما تصبح غير قابلة للحكم. ولا شكّ في أنّ الأمن والإصلاح السياسي ضروريّان ومهمّان بحدّ ذاتهما كما لهما تأثير إيجابي في الاقتصاد. لكنه سيبقى من الضروري والملحّ الإقدام على إصلاح اقتصادي بنيوي وجريء، من شأنه عكس الدوامة التي تدفع بمصر إلى شفير الهاوية.

على امتداد السنوات الثلاث الماضية، تدهور الوضع الاقتصادي - الاجتماعي من سيء إلى أسوأ. واليوم، تدلّ بعض الإحصاءات إلى أن مستويات الفقر (سكان يعيشون بمدخول اقل من دولارين في اليوم) تقترب من عتبة الـ 50 في المئة، بعد أن تراوحت عند نسبة 40 في المئة قبل الثورة. أمّا مستويات البطالة، فتزايدت بنسبة 57.3 في المئة منذ العام 2010، وبلغت 13.4 في المئة في الربع الأخير من 2013، علماً أنّ الشباب يمثّلون نسبة 69 في المئة من العاطلين من العمل. ولا يدخل ضمن هذه الأرقام الأشخاص الذين تخلّوا عن مساعيهم لإيجاد وظيفة، وبالتالي، ما عادوا يشكّلون جزءاً من القوى العاملة، ونخصّ بالذكر النساء، وملايين الأشخاص الذين يجهدون لتوفير لقمة عيشهم في القطاع غير الرسميّ، والذين لا يُشملون بالإحصاء الرسمي.

وعلى صعيد آخر، تراجع نمو إجمالي الناتج المحلي من 7 في المئة في العام 2008 إلى قرابة 2 في المئة في العام 2013، أي أقل بكثير من معدل نمو السكان، الذي بقي حوالى 2،5 في المئة. وبالتالي، يواصل الدخل الفردي تراجعه، في حين أنّ عجز الموازنة تضخّم إلى نسبة رسميّة بلغت 13 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وتفاقم الدَين العام إلى نسبة خطيرة بلغت 110 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

تمّ تسليط الضوء على هذه البيانات الخطيرة خلال ندوة علمية ضمّت خبراء في الاقتصاد المصري، نظّمتها «مؤسسة الشرق الأوسط» في واشنطن بتاريخ 26

شباط (فبراير) الماضي، وضمت الدكتور أحمد غنيم من جامعة القاهرة، والدكتور شانتايانان ديفاراجان من البنك الدولي، والدكتور زبير إقبال، العضو السابق في صندوق النقد الدولي.

ولا شكّ في أن هذه الأرقام قد تتحسّن بعض الشيء بمجرّد معاودة فرض الأمن والاستقرار. ولكن، مع أنّ ذلك قد ينعش قطاع السياحة ويبثّ الطمأنينة في نفوس بعض المستثمرين، إلا انه لن يعالج المشاكل البنيوية التي تجرّ الاقتصاد المصري باتّجاه الهاوية منذ سنوات عديدة.

لقد أظهرت الحكومات التي توالت منذ ثورة العام 2011 - ومنها حكومة الدكتور هشام قنديل في عهد الرئيس محمد مرسي- عجزها، أو عدم استعدادها، لمواجهة التحدّيات البنيويّة التي تعرقل الاقتصاد المصري. وتقوم هذه التحدّيات بشكل أساسيّ على نظام اقتصادي ريعي وزبائني، يُنشئ سوقاً خاضعاً للسلطة المركزية ويفضّل مؤسسات أو قيادات اقتصادية - مدنية كانت أم عسكرية - مقرّبة من السلطة على غيرها، ويعرقل الاستثمار الحر والشامل. وقطاع عام ضخم يستهلك 40 في المئة من الناتج المحلي ويبتليه الهدر وانعدام الإنتاجية والفساد والمحاباة. كما انه يستمر في برنامج عام وعشوائي لدعم الطاقة، لا شك في انه بجزء منه يساعد الفقراء، ولكنّه يساهم أيضاً بانتفاع شرائح وسطى وعليا، لا سيّما الصناعيين الكبار الذين تستهلك مصانعهم نسبة كبيرة من الطاقة المدعومة من الخزينة العامة المرهقة. وهناك نماذج عديدة حول العالم لبرامج دعم ذكية تساعد المحتاجين دون غيرهم وترفع العبء المالي القاتل عن الموازنة العامة.

وحتّى تاريخه، اعتمدت الحكومات التالية للثورة حلولاً قصيرة الأمد، فزادت من مستويات التوظيف الحكومي والإنفاق، وسدّت بعضاً من العجز المتزايد من خلال مساعدات مالية من بعض الدول الخليجية الصديقة.

ولا شكّ في أنّ التمويل الكبير والمرحّب به، الذي قدّمه عدد من الدول الخليجية مؤخراً، يُعتبَر ضرورياً لمنع

انهيار المالية العامة والاقتصاد في مصر. ومن المعلوم أنّ جزءاً من هذا الدعم المالي يذهب إلى مشاريع استثماريّة ضرورية إلى أقصى الحدود، في حين تم تكريس جزء آخر منه لتعزيز الموازنة. بيد أنّ الدعم المذكور يسمح للحكومة أيضاً بحفظ مستويات إنفاقها - وحتى بزيادتها - ما يعزّز أنماطاً خطيرة لكونها غير قابلة للاستدامة - وجنّبها قرارات صعبة على صلة بالسياسة الاقتصادية، وهي قرارات ملحّة جدّاً.

ولعلّ الرئيس الذي سيتولّى سدّة القيادة في مصر بعد الانتخابات القادمة، سواء كان المشير عبد الفتاح السيسي أو غيره، سيكون أمام فرصة أخيرة بتحوير دفّة الاقتصاد المصري بعيداً من الهاوية التي يقترب منها.

وأكثر ما يثير الارتباك هو أنّ النظام الاقتصادي الريعي والزبائني الذي تم تطويره في عهدي السادات ومبارك، والذي أدّى إلى ظهور اقتصاد فيه الكثير من عدم المساواة والفقر المستشري، فيه ترويج للمبرّر القائل إنّ أيّ تغيير للنظام السائد سيكون على حساب الفقراء. ولكن الفقراء هم الأكثر حاجة لإصلاح اقتصادي جذري يكافح نظام الفساد والمحاباة، ويطلق عجلة نمو اقتصادي عميق وواسع، ويصلح نظام الدعم ليصل اليهم وليس إلى غيرهم ممّن ليسوا بحاجة ماسة إليه.

سبق للدول التي أطلقت إصلاحات اقتصادية جريئة في آسيا، وبعض دول أفريقيا وأميركا الجنوبية وكذلك تركيا - خلال العقد المنصرم - أن أثبتت أنّ استحداث ظروف اقتصاديّة ديناميكية، ومواجهة تحدي إصلاح القطاع العام، ومعاودة تصميم برامج الدعم بشكل اكثر تصويباً وذكاءً، يساهم في خلق ظروف نموّ اقتصادي قوي ومستدام - نمو ساهم في رفع مئات الملايين من دوامة الفقر.

وقد يستخلص القارئ أنّ الفقراء في مصر بحاجة ماسّة وملحّة إلى إصلاح اقتصادي جذري، إلاّ أنّ أصحاب الامتيازات قد لا يؤيدونه.

وسيضطر الرئيس المصري القادم إلى اتخاذ قرارات حاسمة في السياسة الاقتصادية. فحتّى إن تخطينا المخاوف الأمنية والسياسية، سنرى أن الاقتصاد المصري هو الذي يحتاج إلى القيادة الأكثر رؤية وجرأة. وبإمكان الرئيس المقبل أن يعود إلى النموذج الاقتصادي القديم، الذي كان سائداً قبل الثورة، أو أن يتطلّع إلى آسيا، وإلى حالات نجاح أخرى سُجّلت مؤخراً، ويقرّ بأن القيادة الاقتصادية الجريئة ممكنة وضرورية على حد سواء.

وإن أراد أن يضمن نجاحاً سياسياً طويل الأمد، فقد يستحسن أن يستغل شعبيته الراهنة لإنفاذ إصلاحات اقتصادية جريئة قد تُغضِب بعضهم، إنما تخدم مصالح الغالبية الساحقة في الأمد الطويل وتضع الوضع الاقتصادي المصري على سكّة النمو السريع والمستدام الذي من شأنه خلق فرص العمل ورفع ملايين المصريين من حالة الفقر المستدام التي يعيشونها منذ عقود.

نقلا عن صحيفة الحياة