رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبير بشيرتكتب : المشير عبد الفتاح السيسي ديغول مصر أم سوار الذهب مصر؟!

جولة عربية

الخميس, 20 فبراير 2014 00:07

 

حين أعطى المشير عبد الفتاح السيسي الضوء الاخضر للجماهير المصرية للنزول إلى الشارع عشية 30 يونيو، كان يعرف بأنه يضع مصيره في الميزان، إذا فشلت تظاهرات حزيران/يونيو. ولكنه بالتأكيد لم يكن مغامرا أو هاويا، عندما اتخذ قراراه النهائي بإنهاء الحكم الإخواني، والوقوف مع الشعب المصري.


القرار لم يكن سهلا، ولم يكن وليد اللحظة. بل كان قرارا تراكميا، وساعدت أخطاء الإخوان الكارثية على صناعته والدفع به إلى موضع التنفيذ، مع تنامي السخط الشعبي واتساع رقعته ووصوله إلى الذروة في شهري إبريل ومايو. حينها أدرك الجميع بأن النظام الإخواني، ساقط لا محالة، وكان السؤال هو: متى وكيف؟.

المؤسسة العسكرية كانت تراقب ما يدور على الساحة المصرية، وترى كيف انقض الإخوان على كعكة مصر، يريدون التهامها في لقمة واحدة. وكيف نقض النظام كل وعوده مع القوى السياسية والثورية الأخرى التي ساندته، وافتعل معارك طاحنة مع القضاء والأزهر والكنيسة والشرطة والإعلام، بدلا من استمالتها او تحييدها.

كانت كل التقارير توضع على مكتب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي مرفقة بتقدير موقف وهو يقرأ جيدا، معتمدا على تجربته في رئاسة جهاز المخابرات الحربية. وبعد فرمان - الإعلان الدستوري- الذي أصدره مرسي، تحولت الشكوك العميقة لدى المؤسسة العسكرية ولدى الفريق السيسي من مخططات الإخوان إلى حقائق، ولم يبقَ لديهم ادنى شك، بأن مصر ذاهبة في طريق ديكتاتورية من العيار الثقيل، ولكن هذه المرة طويلة الأمد.

يقول الفريق السيسي عن تجربته مع الرئيس السابق مرسي: بأنه لم يخنه، وحاول أن يكون له الناصح الأمين، ويضعه في صورة الموقف أولاً بأول، وحذره في أكثر من مناسبة من خسارة الجميع، ودعاه إلى الخروج من عباءة الجماعة الضيقة، والدخول في عباءة الدولة الجامعة، كما نصحه بإطلاق حوار جدي وحقيقي مع كافة القوى السياسية والاجتماعية بجدول أعمال واضح، هدفه طمأنة الجميع ووضع خريطة طريق للخروج من الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد قبل فوات الأوان. ولكن مرسي لم يكن يمتلك قراره، بل كان مجرد مندوب سام لمكتب الإرشاد، ويعلق الفريق السيسي على ذلك: حينئذ أشفقت على الرجل من- مهنة الرئيس - فهو عالق وضائع بين جماعته وبين متطلبات الحكم والدولة. ولكن الرجل لم يكن يملك قراره، بل أنه كان مجرد مندوب سام لمكتب الإرشاد. ويعلق السيسي على ذلك بالقول: حينئذ أشفقت.

تفاجأ الجميع كما تفاجأت المؤسسة العسكرية في مصر، من هزالة الأداء الاقتصادي لحكومة الإخوان، ومن قصور الرؤية الاستراتيجية لديهم. وسوء الإدارة، الأمر الذي حرك قطاعات واسعة من الشعب المصري للتمرد على حكم الإخوان، ورفعوا في كل ميادين مصر شعار: إذا مش قادرين تديروا مصر.... سيبوها!!

يتحدث المشير السيسي عن هذه المرحلة: قابلت الرئيس السابق وواجهته وصارحته، قلت له لقد فعلتم في أقل من سنة، ما لم يفعله مبارك على مدار ثلاثين سنة. وحجم الغضب والسخط الشعبي عليكم في أشهر، فاق حجم السخط على نظام مبارك الذي قضى عشرات السنين.

ولكن لغاية هذه اللحظة، كان

الجيش المصري يرفض التدخل عسكريا، وينأى بنفسه عن التجاذبات السياسية، لأن فكرة الانقلاب ليست واردة في عقيدته العسكرية، وهو يعرف مسبقا الثمن الباهظ الذي ستدفعه البلاد في حال القيام بهذه الخطوة، وخصوصا أننا أمام تجربة فريدة ورئيس منتخب لأول مرة بطريقة ديمقراطية.

حتى عندما امتلأت شوارع مصر، ببوسترات تدعو الجيش للتدخل وحماية مصر والمصريين من الغزو الإخواني، وحتى عندما بدأت حناجر الليبراليين والقوميين واليساريين تصدح مطالبة الجيش بالانقلاب على الرئيس مرسي وتخليص مصر - وهم أنفسهم الذين رفعوا شعار يسقط يسقط حكم العسكر- كان رد الجيش فاترا، ففي اجتماع مع عدد من الفنانين والرموز الثقافية، اوصل قائد الجيش الفريق السيسي رسالة إلى المصريين: لا تنتظروا الخلاص من الجيش المصري، ولا تتوقعوا الانقلاب، وإذا أردتم تغيير الوضع القائم، فما عليكم إلا المشاركة في الانتخابات القادمة بكثافة، وتحمل الانتظار لساعات في طوابير الناخبين.

فمنذ تسليم السلطة للرئيس المنتخب مرسي، اتخذ الجيش المصري قرارا استراتيجيا، بالعودة إلى الثكنات، والانسحاب بهدوء من المشهد السياسي، والاكتفاء بدور المراقب العام، لما يجري على الساحة المصرية. ووجدت المؤسسة العسكرية أنه من صالحها عدم التدخل في الصراع السياسي الدائر في البلاد، تاركة الموضوع برمته للأحزاب والنخب السياسية.

ولكن قيادة الجيش وضعت إستثناءً واحداً لعدم التدخل: وهو شريطة عدم المساس بالنظام القائم لهوية الدولة ووجهها المدني هذا من جانب أما الجانب الآخر، فهو عدم تعرض السلم الاهلي او الأمن القومي للخطر.

وتمر الأيام ويتكشف الوجه الحقيقي للإخوان، بمحاولة اخونة الدولة، وتغيير طابعها المدني، حينما لا نرى سوى قادة الأحزاب الإسلامية، هم فقط من يحجون إلى قصر الاتحادية، وان الرئيس مرسي محاط من كل جهة من الإسلاميين والقطبيين والجهاديين، وسط دعوات وهتافات ومؤتمرات للإسلاميين تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وتهاجم المجتمع المدني، وتتهمه بالكفر والزندقة. الامر الذي اثار حالة من الذعر لدى كل القوى المدنية، ولدى المجلس العسكري على هوية الدولة المدنية.

وبالتزامن مع ذلك، كانت التقارير توضع على مكتب الفريق السيسي عن خطوط المؤامرة، التي تجمع بين نظام مرسي والإدارة الاميركية، وعن الصفقات المشبوه بينهم، من خلال بيع اجزاء من سيناء لتوطين الفلسطينيين، وبيع اجزاء من منطقة قناة السويس، وغيرها من الصفقات لبيع مصر.

وحينها اتضح للمؤسسة العسكرية خطر نظام الإخوان على الأمن القومي، وهوية الدولة الوطنية والمدنية، وبقي الضلع الثالث والأخير وبعدها يقرر الجيش التدخل، وهو عدم المساس بالسلم الاهلي.

ولكن حتى هذا الضلع سرعان ما تهاوى، فمع النجاح الكاسح الذي حققته حركة تمرد -، كانت هناك تقارير سيادية لدى الفريق السيسي تؤكد، بأن
المشاركين في تظاهرات حزيران/يونيو سيكونون بالملايين بوجود غليان شعبي غير مسبوق، وان الجماهير لن تغادر الشارع قبل تحقيق مطالبها. هنا أصبح لدى الجيش المصري صورة كاملة عما سيحدث عقب التظاهرات وهو انزلاق البلاد إلى حافة الحرب الأهلية. لذلك قرر الجيش التدخل والانحياز إلى الشعب، وليس إلى الشرعية والنظام الحاكم. ولكن كيف؟؟؟

وفي الثلاثين من يونيو فاجأ الشعب المصري نفسه، وفاجأ العالم بأكبر تظاهرة في التاريخ، ليتخذ الجيش قراره النهائي بالانحياز للشعب وإنهاء حكم الإخوان. وحاول الجيش حتى آخر لحظة إقناع الرئيس مرسي بفكرة التنحي، ولكن مرسي رفض بشكل قاطع الفكرة، واصر على ترديد أنا الرئيس الشرعي وسأحمي الشرعية بدمي وذلك في خطابه الأخير للأمة المصرية.

وجاء الثالث من يوليو، ليسدل الجيش وجموع الشعب المصري ، الستار على حكم الإخوان، ويعلن الفريق عبد الفتاح السيسي خريطة الطريق الجديدة لمصر.

ومنذ ذلك التاريخ، يعتبر المصريون المشير السيسي المنقذ والمخلص لهم، ويحظى بشعبية جارفة في قلوب المصريين، وهدرت الأصوات مطالبة بترشحه للرئاسة، لأنه رجل المرحلة. وسواء أعلن الرجل صراحة ترشحه للمنصب أم لم يعلن، فإن غالبية المصريين يعتبرونه الرئيس الرمزي لمصر وهم يربطون بين شخصيته وشخصية جمال عبد الناصر.

ولكن شعبية الرجل وكارزميته، والخشية من استنساخ تجربة عبد الناصر، دفعت الإدارة الأميركية للإعراب عن مخاوفها من وصول وزير الدفاع إلى موقع رئيس الجمهورية، وأوضحت آن باترسون مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، والسفيرة الأميركية السابقة لدى مصر عن قلق بلادها البالغ من وصول «السيسي« للرئاسة، متعللة بخوفها تجاه حرية الصحافة وعمل ونشاط الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية.

وغداة بيان المجلس العسكري، الذي أعلن فيه تفويضه للمشير السيسي، في اتخاذ ما يراه مناسبا، سواء الترشح للرئاسة أو عدم الترشح وفقأ لضميره الوطني، أعلن البنتاغون، بأن وزير الدفاع شيك هيجل أجرى مكالمة مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وتناقشا هاتفيا، في الخطوات المقبلة لضمان انتقال سلمي للسلطة. وأعرب الوزير الأميركي عن قلق بلاده على مستقبل توازن السلطات في مصر.

الخوف من وصول السيسي إلى موقع الرئاسة الاولى، ليس خارجيا فقط، بل ان كثيراً من القوى السياسة المصرية بدأت تطالبه بالابتعاد عن الاشتباك السياسي، والبقاء في منصبه كوزير للدفاع، والاحتفاظ بصورته كبطل شعبي انقذ شعبه - كالجنرال سوار الذهب -. وهم يخشون من ان الشعبية الجارفة التي يتمتع بها السيسي، وهوس المصريين بشخصيته، سوف تعيد إنتاج دولة الرجل الواحد، وصناعة فرعون جديد. ويقول أحد القيادين الناصريين: المشهد مربك للغاية، فنحن لا نريد بعد ثلاثة أعوام من الانتفاضات أن نواجه مجددا دولة الرجل الواحد. أما حزب «مصر القوية» الذي أسسه عبدالمنعم أبو الفتوح فرأى أن انعقاد المجلس العسكري للتباحث في شأن ترشيح السيسي وإصدار بيان بأنه يستجيب لإرادة الشعب يعد تعدياً جديداً على مفهوم الدولة المدنية وانتكاسة للديموقراطية. واعتبر أن ذلك تدخل من المؤسسة العسكرية في السياسة وزج بها في أتون الصراع السياسي». لكنه أكد حق الترشح لكل مدني يستوفي الشروط في ظل بيئة سياسية تسمح بالمنافسة الشريفة.

في المقابل فإن هناك العديد من النخب والقوى المحسوبة على التيار الليبرالي تناشد السيسي بالترشح، لأنه رجل الضرورة وخصوصا مع الهجمات الإرهابية التي تواجهها البلاد. وهم يعتبرون أن إرساء شراكة حقيقية بين الرئيس السيسي وفريقه الرئاسي المعاون من جهة وبين النظام المقبل برئاسة السيسي والمجتمع المدني والسياسي من جهة أخرى، بمعايير ومواصفات واضحة، وعقد سياسي صريح البنود. سيمنع إعادة إنتاج دولة الرجل الواحد، وسيعطى زخما وبريقا للحياة السياسية في مصر.

ويقول أحد الليبراليين الواقعيين في مصر: علينا ان نسلم بوجود أشرعة الجيش في سفينة السياسة، لأن ذلك جزء من الحقيقة المصرية التاريخية، تماما كجريان النيل في ارض مصر.

نقلا عن صحيفة المستقبل اللبنانية