رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عصام نعمان يكتب : القرار في زمن الإرهاب ليس للسياسيين

جولة عربية

السبت, 15 فبراير 2014 12:36
عصام نعمان يكتب : القرار في زمن الإرهاب ليس للسياسيينعصام نعمان

 

ينتظر أصحاب القرار في دول العالم، كما الناس، قرارات كبيرة من قمم الرؤساء الكبار . الرئيسان الكبيران باراك أوباما وفرنسوا هولاند أخفقا في قمتهما الأخيرة باتخاذ قرارات كبيرة . فالوضع في سوريا بدا خارج السيطرة، سيطرتهما تحديداً . ما دلالة ذلك؟

أوباما قال بصراحة إن "الأزمة السورية على سلّم أولويات أمننا القومي"، لكنه شكا من ان "نفوذ المتشددين يزداد بقوة في هذه التداعيات التي تمر بها سوريا" . لم يتوانَ عن وصف التداعيات بأنها "مريعة"، ثم تابع معترفاً: "لا نعتقد في الوقت الحاضر بوجود حل عسكري في حد ذاته لهذه المشكلة، فالموقف مائع، ونحن نواصل استكشاف كل سبيل ممكن لحل هذه المشكلة لأن الوضع لن يكون مفجعاً للشعب السوري فقط بل هو خطير جداً للمنطقة بأكملها" .
"
التداعيات مريعة"، "الموقف مائع"، الوضع مُفجع" . هذه كلمات تعبّر عن خيبة عميقة لا تعتمل في نفس الرئيس الامريكي فحسب بل في نفس الرئيس الفرنسي أيضاً الذي كان عبّر عنها بكلمات مرادفة .
*
لماذا كل هذه الخيبة؟
لأن الوضع في سوريا، وربما في العراق أيضاً، بات خارج سيطرة اللاعبين السياسيين بل خارج لعبة السياسة . الزمن ليس زمن السياسة بل زمن الإرهاب وبالتالي زمن الإرهابيين من كل لون ودين .
أوباما يعترف بهذا الواقع . صحيح إنه يسمّي الإرهابيين "متشددين" موسّعاً بذلك دائرة تعدادهم، إلاّ انه يقرّ بفعاليتهم، ويتعهد بدعم غير المتشددين، أي المعارضين السياسيين .
من تراهم يكونون المعارضون السياسيون؟ هل هم أركان "الإئتلاف الوطني" الذين يمثلون المعارضة السورية في مؤتمر "جنيف 2"؟
ربما، لكن هؤلاء لا فعالية لهم على الأرض وبالتالي لم يكونوا قادرين

على موازنة ثقل الوفد السوري الحكومي في المفاوضات .
هل هم ضباط "الجيش الحر" وجنوده؟
ربما، لكن هؤلاء اعلنوا جهاراً نهاراً انهم لن يشاركوا في مؤتمر "جنيف 2" وان جماعة "الإئتلاف الوطني" لا يمثلوهم .
من تراها تدعم الولايات المتحدة، اذاً، على الساحة السورية؟ هل تدعم قوى غير معنية بمؤتمر جنيف؟ وما الفائدة من هذا الدعم طالما أوباما يؤكد بأن لا حل عسكرياً للنزاع؟
قد يقول قائل إن ما يعنيه اوباما هو عدم توافر حل عسكري للنزاع بين الحكم والمعارضة، لكنه يريد حلاً عسكرياً بين المتشددين وغير المتشددين لمصلحة غير المتشددين، أي لمصلحة السياسيين والمنخرطين في اللعبة السياسية سواء من مجموعات معارضة الخارج او الداخل . إذا كان هذا ما يعنيه اوباما ضمناً، فإن لذلك متطلبات عدة، أهمها ثلاثة:
*
أولاً، ان تضغط واشنطن على "الجيش الحر"، وهو من "حلفائها"، كي يعترف ب "الإئتلاف الوطني" ليصبح لهذا الأخير بعض الوزن في مفاوضات جنيف .
*
ثانياً، ان تضغط واشنطن للكفّ عن تزويد "جبهة النصرة" بالسلاح والعتاد كونها تنظيماً إرهابياً وغير بعيدة عقائدياً وسياسياً عن تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، وإلاّ توجب على حلفائها مقاتلتها مثلما يقومون بمقاتلة "داعش" .
*
ثالثاً، إن مقاتلة "داعش" وسائر التنظيمات الإرهابية يتطلب تزويد حلفاء أمريكا على الساحة السورية بأسلحة ثقيلة، وهذا يتعارض مع مطالبة واشنطن دول المنطقة ودول العالم بوقف تزويد أطراف الحرب
بالسلاح والعتاد . فهل أمريكا جادة فعلاً في وقف تدفق السلاح على أطراف الحرب أم أن ذلك مجرد وقف إعلامي للإستهلاك المحلي والإقليمي؟
يتضح من مجمل ما تقدّم بيانه ان الولايات المتحدة لا تمسك سياسياً أو عسكرياً بمسرح العمليات في سوريا وأن محاولاتها لتحقيق ذلك مع حلفائها، في الأقل، يتطلب جهداً ووقتاً طويلين، وأن الحرب في هذه الأثناء ستبقى محتدمة مع كل ما ينشأ عنها من تداعيات يصفها أوباما نفسه بأنها مريعة .
الأخطر من ذلك كله ان محدودية الفعل السياسي في العراق وسوريا ولبنان في "زمن الإرهاب" المتمادي تتسبّب بنقل القيادة والأمرة من السياسيين الى الإرهابيين . وليس أدل على ذلك من ان زمام المبادرة أصبح فعلاً في أيدي آمري التنظيمات الإرهابية من الشلل الفاضح الذي يرتع فيه أهل السياسة في الأقطار الثلاثة . ففي العراق يمتنع على أهل السياسة، حكومةً ومعارضة، التوصل الى تسوية سياسية للأزمة المستفحلة التي تضع البلاد على شفا حرب أهلية، بينما يستمر "داعش" في وضع يده على مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار وعلى أجزاء أخرى منها . كما ينشط بفعالية لافتة في محافظات نينوى (الموصل) وصلاح الدين وديالى .
وفي سوريا يسيطر "داعش" على اجزاء واسعة من أرياف محافظات حلب وادلب ودير الزور وعلى معظم محافظة الرقة، كما يقوم بالسيطرة على مواقع عدة ل"لجيش الحر" الأمر الذي يضعف أطراف المعارضة السياسية التي وافقت على المشاركة في مفاوضات جنيف .
وفي لبنان تمارس التنظيمات الإرهابية نشاطاً واسعاً في مختلف المناطق وتقوم بسلسلة اغتيالات سياسية وتفجيرات دموية تستهدف أشخاصاً وأحياء ومناطق من مختلف الألوان الدينية والسياسية . ذلك كله إضافة الى الخلافات المذهبية المزمنة، أخرج المبادرة من أيدي السياسيين وأدى إلى تعميق الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد وتعوق من دون تأليف حكومة جديدة تخلف حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة منذ نحو عشرة أشهر .
انه زمن الإرهاب، يلفّ حاضر العرب في مجمل وطنهم وعالمهم، وينزع زمام المبادرة من أيدي سياسييهم، ويترك الأمرة في أيدي الإرهابيين ولاسيما المحترفين منهم .

نقلا عن صحيفة الخليج