صلاح سالم يكتب : ..في ما خصّ حركتي الأفكار والتاريخ

جولة عربية

الخميس, 23 يناير 2014 11:57
صلاح سالم يكتب : ..في ما خصّ حركتي الأفكار والتاريخ

 

تنتظم الأفكار الكبرى التأسيسية في حركة سير التاريخ الإنساني مثل عربات قطار تتوالى مروراً على محطة «التأثير والفعالية»،

بحيث تبلغ كل فكرة كبرى ذروة تحققها في عصر ما دون غيره، حتى تستحيل مرجعاً تقاس به وإليه حركة الفاعلين في عالم هذا الزمان، قبل أن ترثها فكرة كبرى أخرى أقدر منها على حمل أعباء عصر جديد يكون التاريخ فيه قد ارتقى، وبلغ درجة أكبر من التعقيد، وهكذا. ومن ثم كانت الأفكار القادرة على صوغ العالم هي دائماً الأكثر حداثة، وارتباطاً بعصرها، وقدرة على تلبية متطلباته.

ففي مرحلة ما كان الدور الرئيس للدين ممثلاً في عقيدة ما، فيما لعبت الأفكار الأخرى أدواراً مساعدة أو هامشية، سواء فلسفية، أو سياسية أو علمية. وفي مرحلة أخرى، كان الدور الأساس لفكرة سياسية كالدولة القومية وبناتها الثلاث العلمانية والفردية والديموقراطية، فيما احتلت الأفكار الأخرى مواقع هامشية في إدارة الواقع وصنع التاريخ. وفي مرحلة ثالثة كان العلم سيد الموقف، حيث التكنولوجيا هي رافعة الحياة، وموجّهة التاريخ، فيما الأفكار الأخرى تابعة لها في قيادة هذا التاريخ. وهكذا نجد أن الأفكار الكبرى كافة لعبت دورها في التاريخ، ولكن ليس بالقدر نفسه في الوقت ذاته، بل بأقدار مختلفة في مراحل مختلفة، عبر تتابع محكوم ببنية تاريخية متطورة تنزع عموماً إلى الارتقاء والعقلانية.

وبالطبع، ثمة فارق أساسي هنا بين الفكرة الدينية، وبين الأفكار الوضعية، غير أنه فارق لا يلغي المبدأ العام المؤسس لحركة الأفكار في التاريخ؛ فالدين ظاهرة إنسانية كبرى تتوزع على مستويين متمايزين: مستوى أولي تمثل في خبرة الاتصال العاطفي مع المبدأ الإلهي/ القدسي، وهي خبرة خاصة جداً، متفردة تماماً، كونها حواراً مع خالق الكون وروح الوجود، يترقى فيه الإنسان بقدر ألقه الروحي، واستنارته الباطنية فيما لا سبيل إلى تعلمه من أحد أو نقله إلى أحد. ومستوى ثانوي يتم فيه عقلنة هذه الخبرة في معتقدات وعبادات وتنظيمها في طقوس وشعائر، ما يجعل منها معرفة وتقاليد، تدور حول نصوص ونُقول، ويحيلها نسقاً يمكن الخروج منه والدخول إليه. نقله عن سابقين وبثه في لاحقين، والاشتراك فيه مع آخرين. على المستوى الأول، لا يمكن الحديث عن تاريخية الفكرة الدينية، فهي خالدة بقدر ما هي متسامية، تظل قادرة على إلهام معتنقيها طالما ظلوا مؤمنين بها.

أما على المستوى الثاني فالتاريخية هي قدر الفكرة، والتغير هو مصيرها الحتمي، والتكيف هو مآلها الذي لا بد منه، وهو ما يخضع تلك الفكرة، على هذا المستوى الأخير، للمبدأ العام للحركة التاريخية، فيكون عليها الانسحاب من بؤرة الفعل إلى هامشه، حيث التخلي عن ادعاء القدرة على تنظيم حركة المجتمع، أو على قيادة التطور العلمي... الخ.

وترتب على ذلك وحدة عميقة في الحضارة الإنسانية، فكانت هناك دوماً حضارة سائدة، تفرض منطقها على الزمان، وتمد سيطرتها على المكان، والفارق فقط بين أبنائها المنضوين تحت رايتها، وبين الآخرين المعاصرين لها هو الفارق بين الرائد والتابع، بين المؤثر والمتأثر، بين الصانع والمستخدم. هكذا كانت حضارتنا سائدة في عصر والغرب تابع، ثم تغير الحال وتبدلت المواقع الآن، من دون أن يستطيع أي من الثقافتين أو

المجتمعين الهروب من زمانه أو تحدي منطق عصره.

غير أن ثمة مشكلة قد تثور حال تفقد الفكرة المحفزة قدرتها على التحكم بعالمها، ذلك أن فشلها في تحقيق السيادة، لا يعني موتها أو انسحابها من التاريخ، بل فقط انزياحها من بؤرته إلى هامشه، لتلعب أدواراً فرعية في مجريات هذا العصر، أو ذاك على نحو يسير في أحد اتجاهين: الاتجاه الأول هو الإسهام الايجابي في حركة العصر إذا ما انصاعت الفكرة لمنطق التاريخ فأحسنت التكيف معه والاندراج في سياقه كفكرة ملهمة أو مساعدة. فالدين مثلاً يمكن أن ينزاح من المجال العام إلى ضمير الفرد المؤمن، ممارساً دوراً روحياً هائلاً، إذ يقدم له الصبر على مآسيه، ويعطيه التعزية على نحو يحقق له توازنه النفسي، أو يلهمه الأمل في تجاوز مصاعب عيشه، ويمنحه الثقة في أن المستقبل أفضل، ما يساعده على النجاح فعلاً، وهكذا.

والاتجاه الثاني هو مشاكسة حركة هذا العصر، إذا ما حاولت الفكرة المحفزة تحدي منطق التاريخ وسعت إلى إعاقة الفكرة الكبرى المؤسسة له، وقطع طريق سيرها الآمن. فعلى رغم أهمية الفكرة وقيمتها في ذاتها، فإن محاولتها تصدر مشهد الزمن في غير أوانها، غالباً ما تولد طاقة سلبية، غير بناءة، تعمل ضد حركة عقارب الساعة، تعطل الطاقة الإيجابية للفكرة المؤسسة، الأقدر على الحفز والتشييد والبناء، وذلك على النحو الذي يمثله أرباب الإسلام السياسي عندما يتصورون أن نماذج حكم معينة تنتمي الى عصر مضى، وتستند إلى تأويل ديني نفعي ضيق الأفق، تستطيع أن تحكم زمناً حاضراً أو مستقبلاً آتياً لمجرد أنها تحمل شعاراً جذاباً، أو تستند إلى عقيدة حية، تبقى ملهمة، لضمائر المؤمنين ولكن عاجزة عن صنع عالمهم على النحو الذي تمثله قيم الحداثة السياسية منذ أربعة قرون على الأقل، فلا الروح الوطنية يمكن وأدها في هذا الزمان، ولا العلمانية السياسية يمكن التنكر لأهميتها في هذا العصر، ولا النزعة الفردية يمكن الخلاص منها في تلك الثقافة، ولا الديموقراطية يمكن تجاهلها باعتبارها الثمرة الجميلة لهذه المتوالية. إنها أبجديات الحياة الجماعية والتنظيم السياسي في عالمنا، وكل محاولة لإهدارها غير مثمرة لأنها تضاد طبيعة الأشياء ومنطق التاريخ، بل وهوى الناس، ليس فقط أولئك الواعين بها، بل وأيضاً أولئك الذي يجهلونها نظرياً ويعيشونها واقعياً.

فثمة شخص، يشبه كثيراً من الناس، لا يعرف أصول النزعة الفردية، ولكنه يعيش تجلياتها. فإذا ما حاول أحد أن يكسر نمط حياته تصدى له بقوة، إنه يدافع عن ذاتيته كإنسان. لقد خرج الكثير من الناس في مصر اعتراضاً ليس فقط على أوضاع حياتية صعبة ولكن دفاعاً عن نمط حياة معتاد ومألوف بعد أن وجدوا جماعات الأمر بالمعروف تقتل الناس باسم الدين، وتحاصرهم مؤسساتهم باسم الإسلام، وتفتك بمقومات دولتهم بزعم مشروع إسلامي لم يلمسوه أبداً. فعلوا ذلك من دون إدراك لمفاهيم الدولة الوطنية والعلمانية، بل إنهم لطالما اعترضوا على بعض هذه المفاهيم خصوصاً مفهوم العلمانية عندما كانوا يسمعون عنها من دعاتها، خشية على الدين الذي أوهمهم البعض أنها تجافيه، ولم يدركوا الحقيقة، إلا عبر تجربة واقعية، صعبة ولكن ملهمة.

نقلا عن صحيفة الحياة