محمد السعيد ادريس يكتب : تحديات ما بعد الدستور في مصر

جولة عربية

الأربعاء, 22 يناير 2014 11:56

 

 

 

بإعلان النتائج النهائية للاستفتاء على الدستور الجديد في مصر يكون الشعب المصري قد أسس لشرعية سياسية جديدة بديلة لشرعيتين بائدتين

، شرعية نظام حكم حسني مبارك راعي دولة الفساد والاستبداد واحتكار السلطة والثروة وتكريس التبعية للخارج كأساس لسياسة مصر الخارجية، وشرعية نظام حكم الجماعة الإخوانية الإرهابية التي يتكشف يوماً بعد يوم مدى المخاطر التي كانت تتهدد ليس حاضر مصر ومستقبلها فقط، بل وكثير من الدول العربية، حيث انخرط الإخوان في تحالف شيطاني مزدوج الأول التحالف مع الأمريكيين من أجل "التمكين" للحكم داخل مصر، حتى ولو كان هذا التحالف مرتكزاً على قاعدة التعهد بحماية وجود وأمن "إسرائيل"، والثاني التحالف مع تنظيم القاعدة الإرهابي لاختراق العديد من الدول العربية ضمن استراتيجية زعيم القاعدة أيمن الظواهري بإعطاء الأولوية للصراعات داخل الدول العربية على أولوية الصراع مع الغرب والكيان الصهيوني بهدف إسقاط العديد من النظم الحاكمة الآن، أو على الأقل التمكن من خلق وجود "جغرافي" للقاعدة في هذه الدول وفي مقدمتها مصر وبالتحديد في شبه جزيرة سيناء .
إسقاط الشعب المصري، في استفتاء يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني الجاري، لهاتين الشرعيتين وتأسيس "الشرعية الشعبية" القائمة على تحالف وطني واسع تجسد في نصوص الدستور الجديد يحمل دلالات مهمة كشفتها أرقام هذه النتائج والإقبال الشعبي غير المسبوق للتصويت ب"نعم" تحت مراقبة من المنظمات الحقوقية المصرية والعربية والعالمية، حيث جاءت هذه الأرقام تقول أن 20 مليون ناخب قالوا "نعم" بنسبة 1 .98%، وأن 381 ألفاً قالوا "لا" بنسبة 9 .1%، وأن نسبة المشاركة الشعبية في هذا الاستفتاء وصلت إلى 6 .38% من اجمالي من لهم حق التصويت، في حين لم تتعد نسبة المشاركة الشعبية في التصويت على دستور الإخوان 33%، ولم تتجاوز نسبة الموافقين عليه 3 .63% .
أولى هذه الدلالات أن الشعب مارس "الديمقراطية المباشرة" مرتين على مدى ثلاث سنوات، ولأول مرة في التاريخ منذ الديمقراطية اليونانية القديمة، عندما قرر عقد ما يمكن تسميته ب"الجمعية العمومية للشعب المصري" بنزول أكثر من 35 مليون مصري إلى الميادين للمطالبة بإسقاط نظام مبارك ابتداء من يوم 28 يناير/كانون الأول عام ،2011 وللمطالبة بإسقاط نظام الإخوان ابتداء من يوم 30 يونيو/حزيران 2013 (عدد من لهم حق التصويت من المصريين يبلغ حوالي 53 مليون مواطن)، هذا الشعب قرر أن يؤكد مطالبه بإسقاط حكم الإخوان وشرعيتهم بالاحتكام إلى "ديمقراطية الصناديق"، ليقول لهم ولكل من يساندونهم كفى تزويراً للإرادة الشعبية المصرية، وكفى وصف ثورة الشعب المصري يوم 30 يونيو/حزيران 2013 ب"الانقلاب العسكري"، فالجيش الذي انحاز لقرار الشعب باسقاط حكم نظام مبارك هو نفسه الجيش الذي انحاز لقرار الشعب بإسقاط حكم الإخوان، وبعد التصويت بهذه النسبة العالية لم يعد للإخوان شرعية، وإن الشرعية قد عادت للشعب، وبالأسلوب الذي ظل الإخوان يدافعون عنه وهو الاحتكام إلى الصناديق .
ثانية هذه الدلالات أن المصريين الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع ليقولوا "نعم" للدستور كانوا يقولون أكثر من "نعم" واحدة، فهم ذهبوا ليقولوا نعم للدستور، وليقولوا "نعم" لشرعية الإرادة الشعبية، وليقولوا "نعم" لإسقاط شرعية الإخوان، والأهم أن يقولوا "نعم" لمستقبل يسوده الأمن والأمان والحياة الحرة الكريمة، ولدولة الحرية والعزة والكرامة، وليس دولة الإخوان، أو دولة الانكسار والتبعية للخارج كما كان عهد مبارك . فالمصريون الذين ذهبوا ليقولوا "نعم" للدستور كانوا في أمسّ الحاجة إلى تنسم عبير حياة مفعمة بالحرية والعزة والكرامة، ولم يكن رفع صور جمال عبدالناصر إلا تعبيراً عن هذا التطلع إلى مثل تلك الحياة

.
ثالثة هذه الدلالات هي أن تدني نسبة المشاركة الشعبية في التصويت على الدستور ترجع إلى أسباب كثيرة ليس من بينها الاعتراض على الدستور، باستثناء القليلين، فالإخوان قاطعوا الاستفتاء على الدستور رفضاً منهم لتأسيس شرعية حكم جديدة تسلبهم ما يزعمون أنهم يدافعون عنه من شرعية . كذلك كانت إدانتهم مسبقة للدستور حتى قبل أن تبدأ كتابته، كما أن القطاع الأكبر من السلفيين قاطعوا الدستور، ربما باستثناء أغلبية أعضاء "حزب النور"، بعضهم فضل المقاطعة اعتراضاً على عدم رضاه عن المواد الخاصة بالشريعة، وبالذات المادة التي اسقطت "الطائفية الدينية" في دستور الإخوان، وبعضهم قاطع تأييداً للإخوان لكن أهم المقاطعين كانت شريحة الشباب من سن ال20 إلى ال30 وهم الشريحة الأهم من أبناء الشعب، وهذه المقاطعة هي التي في حاجة إلى دراسة وتدبر وتأمل واتخاذ قرارات .
البعض يفسر غياب الشباب عن التصويت بسببين، أولهما هو الامتحانات الجامعية المتزامنة مع الاقتراع على الدستور، وهذا حقيقي، وثانيهما أن هذه الشريحة من الشباب هي التي تعاني من مظالم البطالة القاتلة، وأن ثلاث سنوات ثورة لم تغير حياتهم للأفضل بل ربما للأسوأ، لأن من وجد من هؤلاء فرصة للعمل في السياحة أو في الشركات الخاصة فقد هذه الفرصة بسبب تداعيات أحداث الثورة على الأمن وعلى السياحة . لكن السبب الأهم الذي يجب أن يحظى بالعناية والاهتمام هو أن الكثير من الشباب، وخاصة شباب الثورة، لهم تحفظات على إدارة الدولة، بل وإدارة الثورة .
أبرز هذه التحفظات تتعلق بعودة رموز وفلول نظام مبارك مرة أخرى لتتسيد المشهد السياسي والإعلامي من خلال ركوب موجة الترويج للدستور وترشيح الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة لمنصب رئيس الجمهورية، في محاولة منهم للاغتسال والتطهر بمياه الدستور وشعبية السيسي من أوزار وأوساخ حكم مبارك . لكن الأخطر من هذا كله ما يروج له هؤلاء من أنهم هم أبطال ثورة 30 يونيو، وأن ثورة 25 يناير ليست إلا إنقلاباً، ما يعني أن عودتهم هي محاولة "قذرة" لاستعادة حكم مبارك أخذاً بقاعدة "نفي النفي إثبات" فنفي مفهوم الثورة عن ثورة 25 يناير هو نفي إسقاط نظام مبارك .
هذه الدلالات المهمة تضع أمام النظام الحالي والدولة تحديات هائلة، أولهما أن يكون المستقبل بمستوى طموح الشعب الذي تحدى إرهاب جماعة الإخوان وخرج بالملايين يقول "نعم" للدستور و"لا" للإخوان وللإرهاب . فالمصريون في تحد الآن مع أنفسهم لتنفيذ الدستور بأبوابه وفصوله ومواده من دون أدنى تقاعس، وثانيهما أن يكون الالتزام بثورتي 25 يناير و30 يونيو هو مرتكز الحكم الجديد والرئاسة الجديدة، وهذا لن يتحقق إلا بالإبعاد النهائي ليس فقط لرموز ورجال نظام مبارك ونظام الإخوان ولكن بالتخلص النهائي من كل تركة السياسات الرديئة والتمسك
بنصوص الدستور الجديد الذي اسقط شرعيتي مبارك والإخوان إلى الأبد .
هذه التحديات في حاجة إلى سياسات جديدة أبرزها المضي بنجاح في باقي استحقاقات "خريطة المستقبل" أي انتخاب رئيس للجمهورية يليق بالمصريين وثورتهم وثقتهم في مستقبلهم، رئيس يؤمن بأن الشعب هو السيد الحقيقي، وهو صاحب كل السلطان ويؤمن بدولة الحرية والعزة والكرامة، وتحقيق الكفاية والعدل في الداخل، واستقلالية وكرامة القرار الوطني في التعامل مع الخارج، وانتخاب برلمان قوي خال من رجالات مبارك والإخوان، ومليء بالكفاءات الوطنية القادرة على إكمال الدستور بالقوانين الدستورية، وتنقية تركة القوانين المصرية من آلاف التشريعات سيئة السمعة التي تتعارض مع نصوص الدستور الجديد، ثم مراقبة الرئيس والحكومة ومحاسبتهما إن اقتضت الضرورة

نقلا عن صحيفة الخليج