فيصل جلول يكتب : بعد الـ "نعم" للدستور المصري الجديد

جولة عربية

الأربعاء, 22 يناير 2014 11:51
فيصل جلول يكتب : بعد الـ نعم للدستور المصري الجديدفيصل جلول

 

 

لم يقترع المصريون الأسبوع الماضي على دستور جديد فحسب وإنما على موقع النخبة العسكرية ذات الملامح الناصرية في مستقبل البلاد،

ذلك أن نصوص الدستور الفائز تعين بوضوح هذا الموقع وتمنحه الصدارة على ما عداه وهذا ليس غريباً فالجيش هو الذي واكب ملايين التواقيع لنزع الثقة من نظام الرئيس محمد مرسي ويواصل التصدي لأنصاره وهو الذي انحاز إلى الثوار وواكب خلع حسني مبارك وهو المرشح الوحيد لترسيخ الاستقرار والأمن في بلد عاش 3 أعوام من القلق وأحياناً الفوضى الهدامة والجيش هو الذي استقبل مخاوف المصريين وقلقهم من مستقبل تحكمه ايديولوجية دينية ارتكب أصحابها في فترة قصيرة أخطاء كبيرة احتاج ارتكابها إلى ثلاثين عاماً من حكم حسني مبارك وبينوا أنهم لا يجيدون الحكم بقدر إجادتهم للمعارضة .
والسؤال المطروح الآن يتصل بما بعد الدستور أي بخريطة الطريق وبعلاقة النظام الجديد بالليبراليين الذين يقفون في منطقة وسطى بين الجيش وأنصار الرئيس السابق .
والواضح ان الاقتراع على الدستور ترافق مع إعلان قوي للفريق أول عبدالفتاح السيسي بأنه سيترشح للانتخابات المقبلة إذا ما طلب الشعب ترشيحه، وكأنه أراد القول للناخبين ان اقتراعهم بكثافة سيكون بمثابة تفويض لترشيحه لرئاسة الجمهورية، وبالتالي يمكنه من الآن فصاعداً الإشارة لمن يرغب ان أكثر من 25 مليون مصري يريدونه مرشحاً للرئاسيات المقبلة .
واللافت أيضاً ان الاقتراع الناجح على الدستور وبما يفوق حجم المقترعين على دستور محمد مرسي بملايين عدة من الأصوات ترافق مع هزيمة الإخوان المسلمين في انتخابات نقابة المهندسين التي يحتلون مجلس إدارتها منذ 30 عاماً، وقد نزعت الهيئة الانتخابية للنقابة ثقتها من المجلس بذريعة استخدام النقابة لأغراض فئوية، وبالتالي دعم الإخوان المسلمين بمواجهة خصومهم الأمر الذي يطعن بحيادية المجلس المخلوع ووجوب وقوفه على مسافة واحدة من كل التيارات السياسية .
ومن المتوقع أن يفوز مجلس نقابة بديل عن الإخوان في الانتخابات المقبلة علماً ان هذه النقابة تعد من بين أهم النقابات في مصر، ان لم تكن الأهم ولعل نزع ثقتها من الإخوان ليس معزولاً عن الصراع حول الدستور والرهان على السلطة القادمة المناهضة لهم .
وتلاحظ خريطة الطريق لفترة ما بعد مرسي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال هذا العام وتشكيل حكومة شرعية، وبالتالي وضع البلاد على سكة الاستقرار وهو شرط حاسم لنجاح العملية الديمقراطية التي لا تتناسب مع ظواهر الفوضى والقلق والخوف والترهيب .
ارتكب أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي خطأ قاتلاً عندما دعموا أو أشرفوا أو نظموا العمليات المسلحة المتفرقة ضد الجيش والشرطة في مختلف أنحاء البلاد، فقد أتاحوا للقوات المسلحة فرصة ذهبية للتأكيد على دورها المعلن كمدافع عن الشعب والنظام السياسي بمواجهة الفوضى المسلحة والهدامة التي يرعاها الإخوان التي تثير حفيظة المصريين المعروفين بميلهم الواضح نحو الدولة

الاستقرار .
وإذا كانت معركة القوات المسلحة مع حركة الإخوان المسلمين المحظورة باتت خارج سياق خريطة الطريق وخارج العملية السياسية المقترحة وتحظى فيها القوات المسلحة بتعاطف داخلي وخارجي فإن المواجهة مع الليبراليين وبعض المنظمات المصرية غير الحكومية ذات الصلة الوثيقة بمراكز الضغط الديمقراطي ولوبيات التدخل الغربية في شؤون الغير لأسباب إنسانية مزعومة، هذه المواجهة ربما لا تقل صعوبة عن الأولى لأن هذه الجماعات لا ترفع السلاح وتتمتع بتأييد خارجي وتملك وسائل ضغط ناعمة وان كانت محدودة التمثيل في الشارع المصري .
معروف ان الليبراليين ومنظمات الحقوق تملك تأثيراً مهماً في وسائل الإعلام والتعبير، لكنها غير موحدة بما فيه الكفاية، وهي منقسمة اليوم بين طرف مؤيد لخلع مرسي ولانتهاج سيرورة ديمقراطية جديدة تحت خيمة الجيش، وتيار آخر يتمتع بحساسية مرضية من العسكر ولا يميز بينهم وبين الإخوان المسلمين ويرفض خريطة الطريق التي أعلنت في يوليو/تموز الماضي ومن المنتظر أن ينفض الجناح الليبرالي المتشدد تدريجياً عن الإخوان المسلمين خصوصاً بعد عسكرة حركتهم وتصنيفهم منظمة إرهابية من طرف السلطات المصرية والزمن في هذا الصراع يلعب لمصلحة الجيش المصري الذي يقاتل جماعة إرهابية وليس حزباً قادته صناديق الاقتراع إلى الرئاسة الأولى .
تبقى الإشارة إلى أن المرجعية الناصرية المضمرة للنظام الجديد تعينه ليس فقط على إدراج معركته مع الجماعات المسلحة في السياق التاريخي بين الجيش والإخوان فهي تتيح له أيضاً مواجهة ايديولوجية فعالة مع الليبراليين الذين وفّروا تغطية سيئة لتحطيم الإنجازات الاقتصادية الناصرية في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، ناهيك عن انتشار نظرية المؤامرة في الشارع المصري التي تصنف الليبراليين عادة في موقع الولاء للخارج، وبالتالي تطعن في سلامة مواقفهم المناهضة للقوات المسلحة .
خلاصة القول ان ميزان القوى ما بعد الاقتراع على الدستور المصري صار مائلاً بقوة لمصلحة الجيش عموماً والفريق أول السيسي بصورة خاصة، لكنه ليس ثابتاً ولا يتيح ضماناً مطلقاً للحكم المصري القادم الذي يحتاج إلى وسائل عزيزة لمواجهة المشكلات الاقتصادية المتفاقمة والعجز الكبير في الموازنة ناهيك عن توفير الخدمات الأساسية فهو يرث ثورة حملت وعوداً بحياة أفضل وبعملية سياسية مفتوحة وحريات غير مقيدة وإحالة قوانين الطوارئ إلى متاحف التاريخ .
لقد نجح النظام الجديد في تثبيت قاعدة الحكم الدستورية عبر تغطية شعبية مهمة، وقد لا يجد صعوبات كبيرة في إقامة أركان الحكم عبر انتخابات ديمقراطية تتمتع بتأييد عربي وأجنبي، والراجح أنه لن يتردد في إطلاق وعود "ناصرية" بالخبز والكرامة، وبالتالي اللجوء إلى التضحية والصبر لحماية السلطة الجديدة من الخضوع للخارج لأسباب اقتصادية أو لعجز في الموازنة . . بين الليبرالية والإسلام السياسي ينبثق نظام جديد تحتاجه أغلبية المصريين وينتظره الشارع العربي بفارغ الصبر، له سمة الناصرية .

نقلا عن صحيفة الخليج