د . ناصر زيدان يكتب : انشداد صيني متجدد نحو إفريقيا

جولة عربية

الأربعاء, 22 يناير 2014 11:48

 

تقول وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة، والمرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون: إن الصين هي القوة الاستعمارية الجديدة في إفريقيا .

ويؤكد كلام كلينتون المؤشرات الواضحة على الاهتمام الصيني بإفريقيا، حيث لم يعد بالإمكان تجاهله، أو تجاله في آنٍ واحد .
في الوقت الذي تُهمل فيه الصين مناطق مهمة من العالم، وتتجنب التعاطي مع ملفات دولية خطيرة ومؤثرة مثل ملف الشرق الأوسط، نراها تعمل بوتيرة عالية على تعزيز نفوذها، وتثبيت أقدام دبلوماسيتها التجارية في القارة السمراء، في العلن وفي السر .
تنافس الصين الولايات المتحدة على لقب أكبر مُصدر للمنتجات في العالم، بعد أن انتزعت من اليابان لقب ثاني أكبر اقتصاد . واستمرار وتيرة النمو في اقتصادها - رغم الانكماش الذي أصاب الاقتصاد العالمي - أدهش المتابعين، ويشكلُ ظاهرة استثنائية تستحق الدراسة .
مما لا شك فيه أن المقاربة الصينية للتعاطي مع الملفات الدولية تعتمد على ركائز برغماتية، تهدف إلى خدمة مصالحها وتجنب الصدامات مع القوى الكبرى ما أمكن . والقوى الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة واليابان، يتطلعان بخشية كبيرة من التفلت الصيني الذي يؤذيهما بدرجة أكبر مما يصيب الاستقرار الأوروبي الراكد . وتنامي النفوذ الصيني في إفريقيا وجنوب شرق آسيا هو بمثابة التحدي الذي يواجههما، برغم أن الصينيين يحاولون تجنب المواجهة، والابتعاد عن الملفات الساخنة، ويبدو الأمر جلياً من خلال تعاطيهم البارد جداً مع ازمات الشرق الأوسط ومشاكله، برغم أن الشرق الأوسط هو أهم مصدر للطاقة في العالم، والصينيون يحتاجون أكثر من غيرهم إلى هذه الطاقة .
تحولت الصين في العام 1993 إلى دولة مستوردة للنفط بعد أن كان إنتاجها يكفي حاجاتها المحلية، وتنامي الاستهلاك الصيني للطاقة على وتيرة عالية مع تنامي اقتصادها، لاسيما في قطاع الصناعة، وبدأت الحكومات الصينية المُتعاقبة بوضع خطة لتأمين استمرار تدفق النفط، من دون أن يرتبط ذلك بمخاطر تحمل لها المفاجآت القاسية . ولهذا الغرض كان واضحاً أن الصين كانت تتطلع إلى مصادر للطاقة من خارج الشرق الأوسط، المملوء بالمشاكل الصعبة، من القضية الفلسطينية والصراع العربي- "الإسرائيلي" إلى الموضوع النووي الإيراني، والتدخل العسكري الأمريكي، خصوصاً في أفغانستان والعراق، فتجنبت الصين الدخول في صراعات الشرق الأوسط، واستدارت نحو إفريقيا .
لماذا الانجذاب الصيني نحو إفريقيا؟
ترى الصين أن الأسوق الإفريقية واعدة من حيث القدرة على الاستهلاك، لاسيما للسلع الخفيفة، وللصناعات المُقلدة

التي تُنتجها المعامل الصينية، وتبيعها بأسعار مُتدنية، بما يناسب القدرة الشرائية غير المرتفعة عند معظم الأفارقة، وقد تطورت الصادرات الصينية إلى الدول الإفريقية من مليار دولار أمريكي في العام 2000 إلى ما يتجاوز ال110 مليارات دولار في العام 2010 .
والبيئة الاستثمارية في الأسواق الإفريقية مناسبة للرساميل الصينية، كما أنها تتلاءم مع المهارات النوعية المتوسطة لليد العاملة الصينية، وفيها مجالات متعددة يمكن الاستفادة منها، لاسيما في الزراعة والصناعة الخفيفة، وفي استثمار المواد الخام الطبيعية التي تحتاجها الآلة الصناعية في الصين . واسعار هذه المواد في إفريقيا أرخص مما هي عليه في مناطق أخرى من العالم، ومسافة نقل المنتجات من إفريقيا إلى سواحل الصين ليست بعيدة نسبياً، قياساً للمسافات الأبعد في الأسواق الأمريكية، أو الأوروبية . وقد اعتمدت بكين على خطة دعائية ناجحة لترويج سياستها، تستند إلى المساهمة في تحفيز التنمية في إفريقيا . وأقرت خطة لتقديم قروض مُيسرة إلى الدول الإفريقية خلال العامين 2014 و ،2015 بقيمة 20 مليار دولار، لإنشاء مشاريع إنتاجية، لاسيما في القطاع الزراعي .
أما في مجال التعاون النفطي، وهو الأهم، فقد استثمرت الصين مبالغ طائلة في مجال استخراج النفط في عدد من البلدان الإفريقية، وتملكت المؤسسة الوطنية للنفط في الصين 40% من مؤسسة النيل الأعظم للنفط، التابعة للحكومة السودانية، كما قامت باستثمارات نفطية مُشابهة في نيجيريا والغابون، واشترت كمية كبيرة من الأسهم في حقول الغاز الطبيعي في الجزائر، وشاركت بقوة في إنتاج النفط من حقول أنغولا الواعدة، وتعتبر أنغولا المصدر الأول للواردات النفطية الصينية .
وتواكب الصين اهتماماتها التجارية في إفريقيا بحركة سياسية وعسكرية متقدمة، ويكاد المبعوثون الصينيون لايغادرون العواصم الإفريقية، ويلعبون أدواراً متفاوتة في الأزمات الناشئة، لاسيما في الخلاف بين السودان ودولة جنوب السودان، وفي التوسط لحل النزاع المُسلح بين حكومة جنوب السودان والمعارضة .
وقد كانت المشاركة العسكرية الصينية لافتة في قوات حفظ السلام التي أرسلتها الأمم المتحدة إلى كل من دارفور وليبيريا والصحراء الغربية والكونغو الديمقراطية، وقد زادت بكين عديد قواتها المشاركة في البعثة الأممية إلى مالي إلى ما يزيد على 540 ضابطاً وجندياً، بينما نرى في الوقت ذاته أن الصين تمتنع عن المشاركة العسكرية في بعثات تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان وفي الجولان السوري المحتل، وفي سيناء .

نقلا عن صحيفة الخليج