مصطفى الفقى يكتب : معاً على الطريق

جولة عربية

الثلاثاء, 21 يناير 2014 13:00
مصطفى الفقى يكتب : معاً على الطريقمصطفى الفقى

 

حكم "الإخوان المسلمون" مصر عاماً كارثياً بكل المعاني، كما تصرفوا على النحو الذي حدث بعد أن خرجت الجماهير عليهم وأطاحت بهم،

وكانت تلك التصرفات هي التي أثبتت أن "العنف" لا يزال يجري في دمائهم وأن الممارسات الإرهابية أبرز أساليبهم، لو لم يفعلوا ذلك كله لظلوا في عيوننا أصحاب قضية يتعاطف معها الكثيرون، ولكن الله أراد أن يكشف أمرهم وأن تتضح حقيقتهم فعانى منهم المصريون وهم خارج السلطة وأيضاً وهم فيها وكذلك بعد تركها، لقد اصطدمت جماعة "الإخوان المسلمين" بالسلطة في العصرين الملكي والجمهوري، وعندما حكمت هي اصطدمت بالشعب ذاته .
وأنا أريد أن أعرف ذلك العقل الذي يضع استراتيجية عمل هذه الجماعة وخططها المختلفة لكي أقول له إن الذين يفعلون ذلك لا يفهمون طبيعة الشعب المصري ولا يمضون وراء روح الإسلام الحنيف، ولكنهم أقرب إلى الجماعات المغلقة ذات الطبيعة "الفاشية"، ولو أنهم تعلموا من دروس الماضي ما حدث لهم ما جرى، ولو أنهم قاموا بمراجعة أمينة لأخطائهم واعتذروا للشعب المصري عنها وانخرطوا في مسيرة الحياة السياسية من جديد لكان أمرهم مختلفاً، ولكن الذين لا يتعلمون من أخطائهم هم أولئك الغافلون الذين لا يفهمون الحاضر ولا يرون المستقبل ويغلقون عيونهم ويصمون آذانهم ولا يتعظون من دروس التاريخ بل ويكررون أخطاءهم دائماً، ولو أنهم اكتفوا بأن يكونوا "جماعة دعوية" سلمية ينبثق عنها "حزب سياسي معتدل" لكان أمرهم مختلفاً، ولكن شهوة الحكم وبريق السلطة مع قلة الخبرة وندرة الكفاءة هي التي أدت إلى فشل حكمهم القصير فأضاعوا فرصتهم الوحيدة بعد أكثر من ثمانين عامًا من الانتظار! ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد فهم في النهاية مصريون وإن ضلوا الطريق، وهم إخوة لنا وأشقاء وأصدقاء وجيران ننتمي إلى نفس الوطن وندين بذات

العقيدة الروحية فما هو السبيل لإعادتهم لجادة الصواب؟! إن الطريق طويل ولكننا يجب أن نكون معاً على أرضية واحدة، فمصر لكل أبنائها الذين يجب أن يؤمنوا بها قبل غيرها وأن يدركوا أن الوطن هو أغلى ما يملك الإنسان، وليتذكروا أن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم عندما أخرج من مكة نظر إليها دامعًا وقال (والله إنك أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت) فالوطن ليس هناك ماهو أغلى منه، وقد قال أمير الشعراء (وطني لو شغلت بالخلد عنه . . راودتني إليه في الخلد نفسي) ولماذا نذهب بعيداً؟ إن الحق تبارك وتعالى يقول في التنزيل الحكيم (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) وفي ذلك إشارة إلهية إلى فكرة الانتماء لشعب أو قبيلة أي الانتماء إلى "وطن"، والذين يتحدثون عن "الأممية" لا يدركون أنها مرحلة تالية للانتماء للوطن لا تسبقه ولكن تأتي بعده، فالأوطان هي الزمان والمكان والسكان، ونحن المصريين ننتمي إلى أعرق الحضارات وأعمق الثقافات ولا يمكن أن تكون الوطنية لدينا تائهة تذروها الرياح فنحن لا نفرط في حفنة من ترابنا الوطني في الجنوب أو في الشمال لأننا نملك واحدةً من أقدم الخرائط الجغرافية لوطن عظيم قهر الغزوات وطرد المحتلين وظل على الدوام محتفظاً بعبقريته التي تتجلى أمام المحن وتتألق في مواجهة الخطوب، وأود أن أؤكد هنا أنني لا أطالب بمصالحة وطنية سطحية لا تخلو من سذاجة لأنها تكون مرحلية لا تصمد أمام
الأحداث والتطورات، بل أطالب بعملية سياسية واسعة تغوص في أعماق النفوس وتفتح أبواب العقول وتمحو ذكريات الماضي وتؤسس لعصرٍ مختلف مفروشٍ بالنوايا الحسنة والتحليلات الموضوعية والأفكار البناءة، إنني أستطيع أن ألخص ما أطالب به في نقاطٍ ثلاث:
*
أولاً: قيام جماعة "الإخوان المسلمين" بمراجعةٍ شاملة لتاريخهم منذ المرشد الأول الإمام "حسن البنا" حتى الآن، وأن يعتذروا عن أخطائهم من اغتيالاتٍ سياسية وعنف عشوائي وصل إلى حد الإرهاب المنظم، وأن يدركوا أن كثيرًا من الحركات الدينية والسياسية في التاريخ قد راجعت ماضيها وانتقدت حاضرها وتعهدت بإصلاح مستقبلها، كما أن الاعتذار فضيلة إسلامية يقابلها مفهوم "التوبة" في المنطق الديني، وفي هذه الحالة سوف يستقبلهم المجتمع أبناءً له بلا تفرقة أو تمييز ماداموا يلتزمون بقواعد اللعبة السياسية وأسلوب الديمقراطية الغربية الذي ارتضوه من قبل عندئذٍ سوف تكون العودة هي طريق الخلاص فالعود أحمد!
*
ثانياً: على القوى الوطنية في الجانب الآخر أن تفتح ذراعيها حفاوة بالعائدين إذ إن فلسفة الحياة تقوم على أمرين هما "النسيان" و"الغفران"، فقد تعلم الإنسان منذ بدء الخليقة كيف ينسى وكيف يغفر وإلا ما استمرت الحياة وما عاش البشر وتلك هي المقدمة حتى نلتقي جميعًا على كلمة سواء ونكون بحق "خير أمة أخرجت للناس" .
*
ثالثاً: إن مستقبل الوطن المصري يحتاج إلى جهد أبنائه كل أبنائه فالطريق طويل والسنوات الثلاث الأخيرة قد أشعلت في داخلنا شرارة الحرية ضد كل فسادٍ أو استبداد، ولكنها أيضاً دمرت الكثير على الأرض وأدخلتنا في معادلةٍ اقتصادية صعبة فقد توقفنا عن الإنتاج وقبلنا بتدهور الخدمات على نحوٍ أدى إلى المساس بأرزاق البسطاء وتعطيل التنمية حتى تفرغ الجميع للصياح في الفضائيات، أو التجمع في الاعتصامات، أو مواصلة الاحتجاجات .
. .
هذه ملاحظات أسوقها محاولاً انتزاع فتيل المواجهة وإحلال الحوار العاقل والموضوعي والوطني بديلاً عن الصدام الدائم والتخبط المستمر، والطريق الذي لا تبدو له ملامح واضحة، لقد أضحى الضباب يغلف كل شيء ويقودنا إلى المجهول أحياناً، فقد آن الأوان لصحوةٍ مصرية وطنية تحتوي الجميع لنمضي معاً على الطريق الذي لا بديل عنه ولابد منه، طريق "مصر المعاصرة" ذات الدولة الحديثة، التي تحتفي بالعلم وتقدر الفكر وتعلي من قدر الإنسان .

نقلا عن صحيفة الخليج