على ابراهيم يكتب : خيارات مصرية

جولة عربية

الثلاثاء, 21 يناير 2014 12:37
على ابراهيم يكتب : خيارات مصريةعلى ابراهيم

 

ليس هناك أسهل من حركة المرور في القاهرة في الساعات الأولى من الصباح، فالرحلة من المطار إلى قلب القاهرة قد تستغرق أقل من 30 دقيقة،

بينما قد تأخذ في أوقات النهار أو المساء نحو ساعتين، أو ربما أكثر، حسب درجة ازدحام الطرق، والناس ترتب مواعيدها حسب خريطة الزحام، وتتقبل إلغاء المواعيد أو الارتباطات لسبب بسيط، وهو أنها لم تستطع الوصول في موعدها نتيجة ازدحام الطريق.
وهناك من يقول إن من يستطيع حل مشكلة المرور في القاهرة المختنقة بطوابير من مختلف أنواع وسائل النقل الخاصة والعامة الزاحفة ببطء شديد على الطرقات، وتجعل الأعصاب ملتهبة، وتضيع وقتا نتيجة طول الرحلة، ومالا بسبب استهلاك الوقود، سيمكنه حل مشكلات مصر.
وهي مقاربة على الرغم مما يبدو فيها من طرافة تقترب من لب المشكلة، فمشكلة المرور في القاهرة قديمة، ولها أسباب كثيرة تراكمت مع الزمن، قد يكون بينها تحويل نصف الشارع إلى مواقف سيارات، وعدم وجود مرائب في البنايات المرتفعة الكثيرة، على الرغم من مخالفة ذلك للقوانين، ومع ذلك فإن مشكلة المرور في القاهرة ليست أصعب في حقيقتها من عواصم عالمية مليونية، مثل العاصمة المصرية، ولنتصور مثلا حالة الاختناق

التي ستحدث لو قرر كل من يملك سيارة في لندن الذهاب إلى عمله بسيارته، أو عواصم غربية أخرى، الفارق هو إدارة المشكلة بنظم وقوانين تُطبق بحزم.
مشكلات مصر، في جوهرها، تتعلق بالتنمية والاقتصاد، والخدمات والتعليم، وهي نتيجة تراكمات طويلة لم تُعالج لسبب أو آخر في وقتها، أو نتيجة قرارات شعبوية قد ترضي الناس لفترة قصيرة وتشتري وقتا، لكنها لا تلبث أن تطل بشكل أسوأ مستقبلا، وتفاقم حجم المشكلة، والمفارقة أن السنوات الأخيرة قبل يناير (كانون الثاني) 2011 شهدت معدلات نمو اقتصادية مرتفعة بالمقاييس العالمية، لكن مشكلتها هي أنها لم تنتقل إلى الطبقات الوسطى والأقل التي كان الغليان يزداد وسطها، أو جاءت متأخرة كثيرا، فلم يسعفها الوقت لتنتقل إلى مختلف شرايين اقتصاد المجتمع بكل فئاته.
قد يقال الكثير عن السنوات الثلاث الماضية وما صاحبها من اضطراب انعكس على الاقتصاد في صورة خسائر في العائدات وموارد النقد الأجنبي، خاصة في قطاع السياحة، وتوقف مصانع العمل، لكن هذا يجب أن لا
يخفي أن المشكلات قديمة وهيكلية، وتحتاج إلى حلول جذرية وليست مسكنات، كما تحتاج أي حلول من هذا الشكل إلى سنوات من العمل، وصبر قد يستغرق جيلا لقطف ثمار حقيقية منها.
هذه حقائق يبدو أنها تظلّل الموقف الآن، بينما مصر تستعد لخطوتها الثانية في خارطة الطريق بعد إقرار الدستور الجديد لإعلان مواعيد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وقوانين الانتخاب، وغير خافٍ أن المزاج المصري رئاسي، لذلك فإن كل التركيز على شخص الرئيس المقبل، وموقف وزير الدفاع الفريق السيسي، الذي أصبح يتمتع بشعبية كبيرة بعد 30 يونيو (حزيران)؛ فحتى الذين يعارضون ترشحه لا يشككون في شعبيته، ويطرحون ذلك بمنطق أن يظل في منصبه الحالي كحامٍ للدستور والمسيرة، بدلا من التورط في متاهات مشكلات الاقتصاد والتنمية التي لا يملك أحد عصا سحرية لحلها.
على الجانب الآخر، هناك الحقيقة التي لخصها المستشار الإعلامي للرئيس المصري المؤقت في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، ومفاده أن هناك حاجة لقيادة تتمتع بشعبية ويثق فيها الناس لتقبل أي قرارات تقشف أو استحقاقات تنمية حقيقية، وهو كلام غير شعبوي، لكنه من الضروري أن يقال.
أيا كان الاتجاه الذي ستسير فيه الرياح فإن الحكم المقبل لمصر سيكون مواجها بتحديات ضخمة، ومطالبا بقرارات صعبة أجلت حكومات متعاقبة على مدار عقود اتخاذها، وألقت بعبئها على الأجيال التالية لها، ولم يعد من الممكن الاستمرار في ذلك، أو شراء الوقت، بعد أن كانت هذه السياسات سببا في الوصول إلى طريق مسدود.

نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط