ناصر الرباط يكتب : الدين والسياسة في تاريخنا المعاصر

جولة عربية

الجمعة, 17 يناير 2014 12:29
ناصر الرباط  يكتب : الدين والسياسة في تاريخنا المعاصر

 

يبدو الإسلام السياسي اليوم وكأنه سـيد الـساحـة. فهـو إما في الحكم أو أنه يمثل المعارضة الأكثر شراسة لمن هو في

الحكم في كل بلدان الربيع العربي. فهل يشكل ذلك منعطفاً حدّياً في تاريخنا الحديث؟ وهل كان الإسلام معزولاً عن السياسة، ملكية كانت أم برلمانية أم ثورية في دولنا العربية الحديثة؟ وهل كانت العلمانية، المخففة قطعاً، هي التوجه الذي اتبعته فعلاً الدول الثورية، مصر وسورية والعراق في شكل خاص، في حقبة «ثوريتها» كما تتهمها غالبية الحركات الإسلامية السياسية اليوم؟

الجواب عن هذه الأسـئـلة الثلاثة هو لا. بل يمكن القول إنه لا يوجد في التاريخ العربي الحديـث ما يشي بانحـسـار دور الدين الفاعل فـي السـياسة في أي بلد فيما عدا تونـس في ظـل الحبيب بورقيبة (١٩٥٧-١٩٨٧) وبـشكـل فيه الكثير من التفرد والنزق. حتى عندما استعمرت الدول الغربية «العلمانية» بلادنا في بداية القرن العشرين، فضلت التعامل مع الزعماء التقليديين من رؤساء العشائر وأرباب الأسر المتنفذة في المدن. فهم كانوا يتمتعون بسلطة قوية ونفوذ اقتصادي راسخ وقاعدة واسعة من العملاء والاتباع. كما أضاف اعتمادهم على أشكال من التدين المحافظ إلى منفعتهم لسلطات الاستعمار: فهم فهموا آليات السلطة الدينية التي لا تقبل اعتراضاً ولا تشكيكاً، واستطاعوا اسـتغـلال تـغلغـلـها في تركيبة المجتمع نفسه لتهدئة الاضطرابات الشعبية كلما لاحت في الأفق منها بوادر.

جاء الاســتقلال إلى المنـطقة العربية ومعه تعقيدات جـديـدة سببـتها حوادث عظمى على رأسها زرع دولة إسرائيل في فلسطين وتشريد أهلها، واحتدام الحرب الباردة بين حليفي الأمس، المعسكر الشيوعي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي والمعسكر الغربي الذي تزعمته الولايات المتحدة الأميركية. كان المعسكر الغربي يسعى إلى بناء تحالفات من الدول المحيطة بالاتحاد السوفياتي لمواجهة الخطر الشيوعي. وكانت الأنظمة المحافظة في المنطقة العربية، مثل المملكة العربية السعودية ومملكتي الأردن والعراق الهاشميتين ومملكة المغرب العلوية الشريفية، مهيأة بحكم تركيبتها المعتمدة على دورها الديني للجهر بمعاداة الشيوعية، عدوة الدين. وعلى هذا فهي انضمت إلى منظومة الأخلاف الغربية المناوئة للشيوعية وقدم الغرب لها الدعم اللازم.

عندما صعدت الأنظمة الثورية إلى السلطة في سورية ومصر والعراق بعد هزيمة هذه الدول في حـرب فلـسـطين الكارثية عام ١٩٤٨ لعبت في البداية على وتر الدخول في التحالفات الغربية المضادة للشيوعية وحتى القبول بالوصاية الغربية، ولكنها مالت فيما بعد باتجاه الاتحاد السوفياتي الذي مدها بالسلاح والخبرات التكنولوجية المتطورة التي مانعت الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب في إمدادها بها. ومع ذلك، لم تتم ترجمة هذا التحول باتجاه الاتحاد السوفياتي إلى تبني الفكر الشيوعي أو إلى رفض الدين الذي حافظ في ظلها على مركزه التقليدي في حياة المجتمع وتركيبة الدولة. فقد كانت هذه الأنظمة العسكرية فاجرة بالتأكيد، لكنها قطعاً لم تكن علمانية. فهي لم تؤمن البتة بالفصل بين الدين والسياسة ولا هي مارست هذا الفصل في أي مرحلة من تاريخها. وهي وإن كانت قد اضطهدت

الحركات السياسية الاسـلامية، فهي كذلك اضطهدت كل الحركات السياسية الأخرى بحكم استبدادها وديكتاتوريتها لا بحكم معاداتها للدين. بل إنها في واقع الأمر انتهت بأن اعتمدت اعتماداً كبيراً على الرمزية الدينية لتأطير صورة طاغيتها الواحد الملهم.

كان هذا هو واقع الحال مع أنور السادات بعد كامب ديفيد الذي سمى نفسه «الرئيس المؤمن»، وسمح لحركات الإسلام السياسي بإعادة تنظيم نفسها. وكذلك فعل خليفته حسني مبارك الذي رعى الكثير من الأنشطة الدينية وهادن الإسلام السياسي المعتدل. بل كان الحال أكثر حدية مع صدام حسين الذي غير مسار نظامه ١٨٠ درجة إثر هزيمة حرب الخليج الأولى وتمسح بأهداب الدين، ظاهرياً على الأقل، وأضاف إلى العلم العراقي البعثي عبارة «الله أكبر» مكتوبة بخط يده. بل بلغ من تماديه في استخدام العواطف الدينية مبلغاً كبيراً أدى إلى أن اخترع لنفسه نسباً وصله بآل البيت. ولم يكن الحال مختلفاً جداً بالنسبة لمعمر القذافي وجعفر النميري، طاغيتي ليبيا والسودان، اللذين لعبا بعواطف جماهيرهما المتدينة بأن ادعيا تطبيق معايير الشريعة الإسلامية في بلديهما تطبيقاً أقل ما يقال عنه أنه كان هوائياً وتعسفياً. حتى حافظ الأسد وابنه وخليفته بشار الأسد، فأولهما جزار «الإخوان المسلمين» في الثمانينات، والثاني جزار الشعب السوري كله اليوم، هما اللذان لم يعرف عنهما تدين أو تمسك بالأصولية، لكنهما مع ذلك لعبا على وتر الدين عندما احتاجا لذلك. بل إنهما رعيا في مراحل مختلفة من حكمهما أكثر مظاهر التدين الإسلامي أصولية ورجعية من تقديم مشايخ معممين ومتعاونين، أعطيت لهم منابر الجوامع وموجات الأثير وشاشات التلفزيون لكي يسكّنوا آلام الشعب المضطهد بأحاديث عن متع الجنة وآلام النار وعذاب القبر وأصول الوضوء وغيرها من القشور. بل إن الأصولية بتعبيراتها الاجتماعية الصارخة المختلفة، قد نمت فعلاً في ظل قيادة هؤلاء الديكـتاتوريـين العصريين مدّعي العلمانية في كل البلدان العربية، حتى لو أنهم كانوا يقمعون بلا هوادة كل المنظمات الإسلامية السياسية، أو أي نشاط سياسي آخر لا يعتمد على الدين ويمكن أن يلوح منه أي تهديد لسلطتهم المطلقة أو لامتيازاتهم وعائلاتهم وعشيرتهم وزبانيتهم.

هؤلاء الحكام كانوا يقتفون خطى تقليد طويل من الحكم القائم على استخدام الدين كستار وكمبرر للتسلط في العالم العربي: تقليد كان عماده تحالف طويل المدى بين الخلافات والسلطنات بأنواعها المختلفة وبين المؤسسة الدينية بعلمائها وفقهائها وقضاتها وخطباء مساجدها وأساتذة مدارسها الذين تحكموا إلى حد كبير بأمور الدين والدنيا، والذين لم تنته سلطتهم فعلياً حتى بعد سقوط الخلافة العثمانية في ١٩٢٣ وظهور الدول الوطنية الحديثة. وهكذا، سيكون من الأكثر دقة تاريخياً أن يُثار التساؤل عن أيّ نوع من أنواع الحكم الذي تتصوره المنظمات الإسلامية الفاعلة اليوم والذي يمكن أن يتجاوز تجارب الحكم الإسلامي خلال قرون طويلة تعتقد بعض هذه المنظمات نفسها، ويشاركها الرأي في ذلك عموم المسلمين، بأنها كانت قرون تخلف طال أمده.

نقلا عن صحيفة الحياة