عبد المنعم سعيد يكتب : نهاية مرض السرطان

جولة عربية

الأربعاء, 15 يناير 2014 15:56
عبد المنعم سعيد يكتب : نهاية مرض السرطان

 

العنوان مستعار من شعار مركز أندرسون لعلاج السرطان في جامعة تكساس بمدينة هيوستن الأميركية، التي تضع خطا أحمر على كلمة «السرطان»،

للدلالة على إمكانية أن يدخل هذا المرض على خطورته وتشعب أنواعه إلى التاريخ، فيصير ذكرى مثل ما كان لأمراض الجذام والبرص والملاريا والتيفويد وشلل الأطفال، وأمراض أخرى انقرضت أو تراجعت في التاريخ البشري بسبب القيام بحملات منظمة للتطعيم ومواجهة المرض قبل وقوعه. الغريب أن ذلك يجري في ناحية من المدينة بينما يوجد في ناحية أخرى مقر هيئة «ناسا» التي تطلق المركبات إلى الفضاء الخارجي، فتصل إلى القمر وتذهب إلى المريخ وترسل السفن حاملة «تليسكوبات» تستكشف مجرات، ودنيا بعيدة نراها من على بعد سنوات ضوئية في شكل نجوم وأقمار وأجسام لامعة وشهب مشتعلة. ولكن الأمر في الحالتين هو عمليات للبحث العلمي الدؤوب والمكثف من أجل اكتشاف المجهول، سواء كان في مرض على الأرض، أو نجم سابح في السماء. ببساطة فإن المستقبل يمكن الوصول إليه بالتخطيط والتجريب والمحاولة التي تصنف الأمور وترتبها حسب أنواعها، ثم تبدأ عملية معرفة مكوناتها، والعلاقات الموجودة بينها، والتفاعلات السائدة داخلها، وذلك من أصغر خلية أو ذرة أو «جين» إلى أكبر جسم في الفضاء. لا فرق بين متناه في الصغر، ومتناه في الكبر، وما بين ما هو مرض، وما هو مجال أو نطاق، أو إطار حركة.
ما سر هذا الكلام يا ترى، وهل فيه أكثر مما هو معلوم، والإجابة نعم لأنه يبدو أن هناك شعوبا وأمما توصلت إلى «صناعة المستقبل» حيث لا توجد قضية أو معضلة لا يمكن تجاوزها والدفع بها إلى الأمام. ما يحدث في مجال «السرطان» أو أي مجال آخر هو أن تزداد المعرفة بالموضوع. في المركز المشار إليه من قبل في مدينة هيوستن فإن العمليات العلاجية لا تنفصل إطلاقا عن «البحث» وتجميع المعلومات، ومن بعدها يجري التقدم خطوة بعد أخرى حتى يوجد العلاج، ثم تكون الوقاية من المرض. وبالمثل تكون الحالة مع

الأمراض الاجتماعية من الفقر إلى العنف إلى الجريمة إلى الانحرافات المرتبطة بالتوسع الحضري، والعلاقات بين الرجال والنساء والطبقات الاجتماعية المتنوعة. «المستقبل» حالة يعيشها المجتمع في كافة مجالاته، وكل حسب مكانه؛ أما مجتمعات «الماضي» فمشغولة بأمور تشدها طوال الوقت إلى الخلف. المسألة هنا ليست التاريخ، فهو قد يكون عن الزمن الذي ذهب أو الزمن الذي سوف يأتي، وفي الدول المتقدمة فإن الماضي هو عمل جماعة من المؤرخين الذين يبحثون عن القوانين العامة التي تحكم حركة المجتمعات والبشر، أما المستقبل فهو صناعة الأمة كلها لأن الزمن الآتي يبدأ الآن. الدول المتخلفة تعكس الآية تماما، فهي مشغولة جدا بالماضي، ومنه تأخذ مواضيع مثل الخصوصية والهوية، وترفع منها أعلاما وبيارق، ويكون لها من الجمود شأن عظيم فيتجمد التاريخ وحركة الناس، وتتحدد الخطوط بين السنة والشيعة. وفي وقت من الأوقات كانت بين الكاثوليك والبروتستانت كما كان الحال في آيرلندا الشمالية، وعندما تبدأ المفاوضات لا يعلم أحد أصل الصراع من الأصل، وبعد أن يكون هناك حل للصراع، فإن الجماعة تتساءل عما إذا كان الأمر يحتاج إلى كل هذا القدر من التضحيات التي جرت مادية كانت أو معنوية. وفي أثناء مناقشات الدستور المصري الجديد، كانت هناك جماعة خاصة مهمتها التعامل مع نصوص «الهوية» في وثيقة مهمتها التعامل مع نظام الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. وعندما زرت الجنوب الأميركي لأول مرة في نهاية السبعينات بحثت عما قاله لي عرب آخرون حول الهوة الثقافية، والحقد والكراهية القائمة في الجنوب منذ نهاية الحرب الأهلية. لم أجد شيئا من هذا، بل وجدت نفسي أعرف عن التاريخ الأميركي القصير أكثر من كثيرين، لأن الحراك الجغرافي كان كبيرا. كانت نيويورك
قد تعرضت لخطر الإفلاس، ووجدت الرأسمالية مكانها حيث توجد الأسعار الأقل تكلفة في الأرض أو في الأجور، أو باختيار أرض المستقبل بعيدا عن أرض الماضي، أو حيث يوجد مشروع جديد للتقدم يختلف عن مشروع قديم استوفى أهدافه وأغراضه.
في بلادنا يعبث الماضي بنا بقوة، وأذكر أن القوى السياسية المصرية المختلفة أضاعت وقتا طويلا في منافسة عقيمة بين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ولم يكن ذلك حول ما أنجزه كل منهما، وإنما حول ما كان كارثة من أيهما. والآن فإن نقاشا آخر يجري بعضه في صمت، وبعضه الآخر في ضجيج كبير، حول أيهما أولى بالثورة، هل ما جرى في يناير 2011 أو في يونيو 2013؛ البعض حاول الخروج من المأزق بأن الثانية هي موجة أخرى من الأولى أو أنها استمرار وتصحيح لها. كثرت الكلمات والتعبيرات، ولكن الحقيقة ليس فيها شيء عن المستقبل، لن يقضي أحد على التخلف، ولن يفعل أحد شيئا مع الفقر، ولن يوجد جدول أعمال للتعامل مع تفاوت الدخل بين الأقاليم، ولا كيف يكون الخلاص من الإرهاب. والأغلب أن ذلك يحدث لأنه لا أحد يعرف على وجه التحديد كيفية التعامل مع المستقبل، بل إن المستقبل نفسه لا يبدو أنه يدخل في دائرة البشر، وإنما في مجال التنجيم ورؤية الكف وفتح أوراق اللعب. العجيب في الأمر أننا نعرف عن المستقبل أكثر مما نتخيل، فنحن نعرف إلى حد كبير معدلات الزيادة السكانية، ومن ثم نعرف حجم الطلب المتوقع على السلع والخدمات والطرق. وبقدر من العلم والإحصاء فإن موارد الدولة معروفة في الوقت الراهن، ومعدلات نموها أو تراجعها واردة، ومن هذا وذاك يمكن معرفة الموارد المطلوبة. مثل ذلك يعطينا نوعا من معرفة المستقبل البسيط الذي هو امتداد للحاضر بدرجة أو بأخرى. ولكن المستقبل في الدول المتقدمة - أو ترغب في التقدم - هو «رؤية» للمجتمع والدولة، هي صورة لما نريده، وهي فكرة نبيلة نسعى إليها. ومن كل هذا يمكن الرجوع إلى الحاضر وتحديد الفجوة الواجب عبورها، وهكذا إذا كان الغرض هو الشفاء من مرض السرطان أو وضع نهاية له، فإن هناك فجوة في العلم والبحث والمعرفة ينبغي عبورها، وهذه تحديدا هي التي تأخذنا إلى حيث نريد أن نذهب. وفي بلادنا هناك من لا يريدون لنا أن نذهب إلى الأمام، وإنما الرجوع إلى الخلف هو ما بات فضيلة، فهل نستغرب بعد هذا كله هذا العنف والقسوة الجاريين في مجتمعات عربية؟!.

نقلا عن صحيفة  الشرق الاوسط