عبدالحسين شعبان يكتب : الاستفتاء على دستور مصر

جولة عربية

الأربعاء, 15 يناير 2014 15:47
عبدالحسين شعبان يكتب : الاستفتاء على دستور مصر

 

ما بين استفتاء العام 2012 على دستور "الإخوان" واستفتاء العام 2014 على الدستور الجديد ليس أكثر من ثلاثة عشر شهراً،

ولكن ثمة مياه كثيرة سارت تحت الجسور كما يقال، مثلما هناك فوارق كبيرة بين الدستورين والاستفتاءين، فقد حدث الاستفتاء الأول في ظل حكم الإخوان وهيمنتهم، في حين أن الاستفتاء الثاني يحصل بعد إطاحتهم وفي غيابهم .
كان الإسلاميون يشكّلون الأغلبية في لجنة صياغة دستور العام ،2012 وإن شاركتها العديد من القوى الفاعلة في مصر تقريباً، لكن خلافات جوهرية وقعت في المراحل الأخيرة من إعداد الدستور، ولاسيّما بالضد من الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، والذي وضع فيه ما يصدر عنه (الرئيس) من مراسيم جمهورية فوق المساءلة القضائية . وكانت القوى الوطنية واليسارية والوسطية شبه الليبرالية، انسحبت من لجنة صياغة الدستور، احتجاجاً على محاولة الإخوان وضع بصماتهم الأساسية عليه، الأمر الذي جعله مضموناً وشكلاً معبّراً عنهم أكثر من كونه دستوراً لمصر .
ولكن الرئيس مرسي بدلاً من أخذ تلك الاحتجاجات في الاعتبار، تمادى في تجاوزها فدعا مجلس الشعب (البرلمان) الذي يشكّل الإسلاميون أغلبيته، إلى وضع مسوّده الدستور الجديد بالسرعة الممكنة، ليتم عرضه على الاستفتاء الشعبي، وهو ما جرى بالفعل، حيث حصلت الموافقة عليه بنسبة 64% من مجموع المصوّتين التي لم تزِد عن 33%، الأمر الذي عرّض الاستفتاء والنتائج التي تمخّض عنها إلى النقد الشديد، إلى حد تقويض الشرعية الشعبية لقلّة المشاركين في الاستفتاء .
وكان النهج الإقصائي الانعزالي والشعور بالغرور الذي اتسمت به حركة الإخوان في التعامل مع القوى الأخرى سبباً في تعاظم حركة الاحتجاج التي اتّخذت طابعاً شعبياً واسعاً، وصلت ذروتها يوم 30يونيو/ حزيران ويوم 3 يوليو/ تموز ،2013 حين قرر الجيش الانضمام إلى إلى الشعب لحسم الأمور لمصلحة تغيير حكومة مرسي .
وقد عمدت حكومة ما بعد إقصاء مرسي إلى تعديل الدستور باعتباره أولوية أولى في جدول عملها، فبعد خمسة أيام من إقالة حكومة الإخوان (أي في 8 يوليو/ تموز 2013) علّق إعلان دستوري جديد، دستور العام 2012 المُستفتى عليه، ورسم

خطوطاً عريضة لعملية جديدة أساسها تشكيل لجنة خبراء قانونية من عشرة أشخاص مهمتها تعديل الدستور، وبعدها تتولى لجنة قوامها 50 عضواً يمثلون الطيف السياسي والاجتماعي والتنوّع الديموغرافي والتعددية الثقافية، تتولّى مراجعة وتعديل المسودّة والموافقة عليها .
ولا شك في أن لجنة الخمسين المؤلفة من قيادات وقوى مختلفة، كانت مؤيدة للحركة التي قادها الجيش لإقالة حكومة محمد مرسي، واستبعد منها الإسلاميون بشكل عام والإخوان بشكل خاص، ولم تضم في عضويتها سوى عضوين من مجموع خمسين يمثلون التوجّه الإسلامي، وكانت في أغلبيتها ممثلة لأحزاب غير إسلامية .
الدستور المطروح اليوم للاستفتاء يمثل موقف قوى التحالف المناهضة للإخوان وتعكس مسودته عدداً من الاعتبارات التي فرضتها عملية إقالة حكومة محمد مرسي، ومنها:
1-
حظر قيام أحزاب دينية (المادة 74) .
2-
إلغاء تحديد مصادر الشريعة المعيّنة التي سيستند إليها التشريع والإبقاء على النص بعموميته ومن دون تحديد، كما ورد في مسوّدة الدستور السابق (المادة 219)، كما ألغى نص المادة 44 التي حظرت "المساس أو التجريح بجميع رسل وأنبياء الأديان" وذلك بحكم تفسيراتها المختلفة .
3-
إلغاء استشارة الأزهر باعتبارها واجباً، فيما يتعلق الأمر بالشريعة الإسلامية .
وبشكل عام خفّفت صيغة الدستور الجديد من "الصبغة الإسلامية المتشدّدة والصارمة" التي أريد بها طبع دستور العام ،2012 كما كانت تصرّ عليه حركة الإخوان والجماعات السلفية .
4-
منح الدستور الجديد استقلالاً واسعاً للأجهزة الأمنية ولقوى الجيش وسائر المؤسسات الحكومية الأخرى التي أسهمت في إطاحة حكم مرسي . وقرّر إنشاء مجلس أعلى للشرطة يجب استشارته في سائر القوانين التي تتعلق بالشرطة (المادة 207)، كما قرر منح كل هيئة قضائية "ميزانية مستقلة" ومنحها استقلالية في "إدارة شؤونها الخاصة" (المادة 185)، ومنح الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا صلاحية اختيار رئاسة الحكومة (المادة 193)، وأنيطت صلاحية تعيين المدعي العام للحكومة بمجلس القضاء الأعلى (المادة 189)، وكانت جميع تلك الصلاحيات من اختصاصات الرئيس حسب دستور العام 2012 .
5-
اعتبر الدستور الجديد الجيش عماد الدولة منذ أن كان حاكمها محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، وأبدى آيات التقدير "لجيشنا الوطني" الذي حقق "النصر" للإرادة الشعبية الكاسحة في 25 يناير/ كانون الثاني و30 يونيو/ حزيران . ونصّ الدستور الجديد مثل الذي سبقه على أن يكون وزير الدفاع ضابطاً عسكرياً (المادة 201) يتم تعيينه من المجلس الأعلى للقوات المسلّحة خلال الدورتين الرئاسيتين القادمتين (المادة 234)، ويخوّل مجلس الدفاع الوطني بوضع الموازنات ومراجعتها (المادة 203) .
6-
إعطاء صلاحية مكافحة "جميع أنواع وأشكال الإرهاب" للدولة (المادة 237) . وهذا التفويض هدفه مواجهة أعمال إرهاب وتفجيرات وتخريب لا تزال مستمرة .
7-
تضمن الدستور تطوراً مهماً في قضايا العدالة الاجتماعية، وكان للأحزاب اليسارية والوطنية الوسطية وشبه الليبرالية، دور في ذلك بحكم أوضاع مصر الاستثنائية، خصوصاً انخفاض مستوى المعيشة ونزول فئات جديدة من السكان دون خط الفقر، إضافة إلى الأمية والتخلّف وسوء الأوضاع الصحية والخدمات التعليمية ومياه الصرف وغيرها، ولذلك رغبت هذه القوى في تعزيز دور الدولة (المادة -8) حيث تم التأكيد على توفير موارد الغذاء لجميع المواطنين (المادة - 79) وضمان المعاشات المناسبة لكبار السن بما يضمن لهم مستوى لائقاً من المعيشة (المادة 83) ولعلّ هذا يتطلّب إنفاقاً حكومياً كبيراً نسبياً على الرعاية الصحية والخدمات التعليمية بما فيها التعليم العالي والبحث العلمي .
وإذا كان دستور العام 2012 يعكس فلسفة الإخوان، فإن دستور العام 2014 الذي بدأ الاستفتاء عليه يعكس فلسفة النظام الجديد القائم على تحالف بين الجيش والقوى الوطنية، فالأول منح مرسي والإسلاميين سلطات كبيرة لتثبيت أقدامهم في الحكم الجديد، مع محاولة لاسترضاء العسكر بمنحهم استقلالاً مؤثراً، في حين أن الدستور الجديد هو نتاج تحالف من داخل القوات المسلحة والقوى الشعبية، الأمر الذي أعطى نوعاً من التوازن .
وأغلب الظن أن الدستور الجديد الذي بدأ الاستفتاء عليه ستكون نتيجته بالموافقة أي ب"نعم" وقد تكون بهامش كبير نسبياً، وتقدّر أن تكون المشاركة أكبر من دستور العام 2012 .
مصر مرهقة اقتصادياً واجتماعياً، ولا يمكنها تحمّل إرهاق سياسي يزيد من صعوبات الحياة في ظل صراعات مستمرة وأعمال عنف وإرهاب، وتحتاج إلى استقرار سياسي وتوافقات وطنية والمضي بالعملية السياسية، والتوجه لإعادة بناء الدولة العريقة، وردّ الاعتبار لهيبتها ودستورها وقضائها ومؤسساتها بشكل عام، مثلما يحتاج الأمر إلى إعادة بناء علاقاتها الدولية والإقليمية على نحو يعيد لمصر مكانتها الكبيرة وهي مكانة للعرب أجمعين .

نقلا عن صحيفة الخليج