جلال عارف يكتب : مصر وأميركا.. سياسة منع الأسلحة وتقديم العزاء

جولة عربية

الأحد, 05 يناير 2014 13:55
جلال عارف يكتب : مصر وأميركا.. سياسة منع الأسلحة وتقديم العزاء

كان من الطبيعي أن ترتبك الإدارة الأميركية في التعامل مع الأوضاع في مصر، بعد أن باغتتها ثورة 30 يونيو، لقد ظلت الإدارة الأميركية حتى اللحظة الأخيرة تدعم حكم الإخوان الذي اعتمدت عليه في تمرير مخططاتها، وتصورت أنه سيكون طريقها لإعادة تقسيم المنطقة.

مازال الارتباك هو سيد الموقف الأميركي. ومازالت الضغوط تمارس على مصر ومازال دعم الإخوان جزءاً من سياسة أميركا وأجهزة مخابراتها وحلفائها وعملائها.
في الأسبوع الماضي، كان وزير الخارجية الأميركي "يبدي القلق"، ليس من تصاعد الإرهاب، وإنما من وضع الجماعة الإرهابية على لائحة الإرهاب.
أما وزير الدفاع الأميركي "تشاك هيجل"، الذي يبدي حرصه على العلاقة مع المؤسسات العسكرية فقد اتصل بالفريق السيسي ليقدم تعازيه في شهداء الأحداث الإرهابية الأخيرة، ثم يضيف إلى ذلك أمرين كان لابد أن تعلن مصر أن الفريق السيسي رفضهما على الفور وهما: المساعدة في التحقيق حول هذه الحوادث الإرهابية، والقلق الأميركي المعتاد حول المناخ السياسي في مصر قبل إجراء الاستفتاء.
الفريق السيسي ـ كما أذاعت القاهرة ـ رفض تدخل أي دولة، وأكد أن مصر مستمرة في تنفيذ خريطة الطريق، رغم الحرب الشرسة التي تخوضها ضد الإرهاب.
النفاق في الموقف الأميركي بلا حدود.. تقدم واشنطن العزاء في شهداء الإرهاب وترفض معاقبة الإرهابيين، بل تستمر في دفاعها عن "الإخوان" وتؤجل تسليم أسلحة لازمة للجيش وهو يخوض معركته الشرسة ضد عصابات الإرهاب التي استوطنت سيناء بالتواطؤ مع حكم الإخوان

الذي دعمته واشنطن.
تقول أميركا ـ على لسان وزير خارجيتها ـ إن الإخوان "سرقوا" ثورة يناير، ثم لا تقف مع شعب مصر حين استرد الثورة في 30 يونيو، وتملأ واشنطن الدنيا ضجيجاً حول حربها على الإرهاب، ثم "تكتشف" أن الحبال السرية لم تنقطع بين أجهزة مخابراتها وبين منظمات الإرهاب حتى الآن، في الوقت نفسه تحيل سيناء إلى ساحة للإرهاب بكل أنواعه.
في لعبة كسب الوقت يلجأ الكونغرس الأميركي إلى اقتراح مشروع قانون بشأن المساعدات الأميركية لمصر، ما يعلنونه أن هذه خطوة للتغلب على ما يشترطه النظام الأميركي من عدم تقديم مساعدات لأي حكم قام على "الانقلاب"، وبينما وزير خارجيتهم نفسه يقول: إن "الانقلاب" الحقيقي هو ما قام به "الإخوان" عندما سرقوا ثورة يناير.
الأهم أن الكونغرس يضع شروطاً لاستمرار المعونة، يعلم جيداً أنها وبصورتها الحالية، تمثل نوعاً غير مقبول من التدخل الأجنبي الذي ترفضه مصر الثورة جملة وتفصيلاً، المشكلة في كل ذلك أن واشنطن تريد أن تسير في النهج الذي تسير عليه سياستها في المنطقة منذ الخمسينيات من القرن الماضي. لا تريد مصر قوية بأي حال من الأحوال، ولا تريد حديثاً عن عروبة العرب..
ولا تتخلى عن نظرية احتواء المنطقة العربية
بتحالف أو توافق القوى غير العربية في المنطقة من إيران إلى تركيا إلى إسرائيل. هذه السياسة التي تعرضت للكثير من المصاعب في السنوات الماضية في ظل التغيرات في إيران والأطماع التركية والجرائم الإسرائيلية، والتي تعود واشنطن الآن إليها في ظروف بالغة الصعوبة بالنسبة للعرب بعد تدمير العراق، وبعد ما يحدث في سوريا وليبيا..
وهي الظروف التي تصورت فيها واشنطن أنها قريبة من تطبيق السيناريو المطلوب لاستكمال تفتيت الدول العربية وإغراقها في الحروب الطائفية والأهلية بعيداً عنها وعن حلفائها في أوروبا، حتى فاجأتها مصر بإسقاط الحكم الإخواني الفاشي، ثم فاجأتها دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات بالدعم الكامل لمصر والفهم الكامل لأبعاد المؤامرة عليها وعلى العرب.
منذ ما يقرب من ربع قرن والمخططات الأميركية والصهيونية تتحدث عن أن سقوط مصر هو "الجائزة الكبرى"، التي تنتظرها لاستكمال إعادة رسم خريطة المنطقة، الآن تبدو "عودة مصر" هي التحدي الأكبر لهذه المخططات، خاصة بعد الدعم العربي لهذه العودة التي يعرف العرب ـ بعد التجربة المريرة ـ أنها أكثر من ضرورية لأمن الجميع.
مع مطلع العام الجديد يبدو واضحاً أن الموقف الأميركي يراوح مكانه. وأن علينا أن نسير ونحن على وعي كامل بذلك. لا نسعى بالطبع إلى صدام مع قوى عظمى أو عداء لمن غابت عنهم الحقائق، ولكننا نُصر على أهدافنا، تسير مصر في حربها ضد الإرهاب حتى النهاية، ومهما كان الدعم الخارجي له، تمضي في بناء نظامها الجديد بدءاً من إقرار الدستور وانتخابات الرئاسة والبرلمان، ترفض التدخل الأجنبي في شؤونها.
تتأكد الحقيقة المهمة بضرورة تكتل القوى العربية المؤثرة لمواجهة التحديات، ولعل ما يحدث الآن على جبهة مصر مع السعودية والإمارات يكون نقطة انطلاق في هذا الطريق الذي لم يعد أمامنا طريق غيره لإنقاذ الأمة.
نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية