يوسف مكي يكتب : بين دستورين

جولة عربية

الثلاثاء, 31 ديسمبر 2013 13:03
يوسف مكي يكتب : بين دستورين

اختلف المؤرخون حول تاريخ نشوء الدساتير، فقال البعض إن حضارة ما بين النهرين، هي أول من دشنتها، وقال آخرون إن مصدرها هم الإغريق . والحديث هنا معني بالدستور بمعناه المعاصر

، الذي قال به جان جاك روسو في العقد الاجتماعي، ويرتبط بالدولة الحديثة . والدستور، كما تصوره روسو هو عقد منظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وليس بين الحكام والمحكومين . ومهمته فك التداخل في الوظائف بين البناء الفوقي والبنيات التحتية للمجتمع .
والدستور، وفقاً لهذا التصور، هو جوهر القوانين، بموجبه تنظم وتحكم البلاد، ويتحدد نظام الحكم . ومن روحه تصاغ القوانين القضائية والسياسية التي تسير العلاقة بين المؤسسات التشريعية المنبثقة عن الشعب، والتنفيذية المناط بها تنفيذ سياسات المشرعين .
ذلك يعني حكماً، أن الدستور، أعلى من كل القوانين والمؤسسات . وهو المعبر عن إجماع الأمة . وطبيعي القول إن هذا الإجماع ليس حاصل ما تفرزه صناديق الاقتراع فحسب . إن مقتضاه توافق مختلف مكونات النسيج الاجتماعي، عقدية وسياسية وطبقية على نصوصه .
المعضلة أن كثيراً من الدساتير، وآخرها دستور مصر عام ،2013 والذي سنكرس حيزاً من حديثنا هذا لمقاربته بالدستور المنتظر الاستفتاء عليه في منتصف الشهر المقبل، لم تكن نتاج توافق اجتماعي، وأنها استمدت مشروعيتها من خلال الاحتكام لصناديق الاقتراع، بينما المفترض أن تكون عملية الاستفتاء لاحقة للتوافق الاجتماعي، وليست سابقة عليه . ولا يتحقق ذلك، إلا عندما تضم اللجان التأسيسية المشكلة لصياغة الدستور ممثلين عن مختلف شرائح المجتمع .
هذه المقدمة تقودنا إلى الحراك السياسي الحالي في أرض الكنانة، وسط حالة من الاضطراب والانفلات الأمني، بسبب مقاومة جماعة الإخوان المسلمين، لخارطة الطريق، التي أعلن عنها بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، في الثلاثين من يونيو الماضي . وعلاقة ما يجري بمستقبل مصر .
سيصوت المصريون مرة أخرى، على دستور جديد للبلاد، ينتظر أن يعبر في روحه ونصوصه عن إرادة جميع المصريين، بمختلف معتقداتهم الدينية، وتوجهاتهم السياسية، وانتماءاتهم الاجتماعية . وهو بخلاف الدستور السابق، الذي صدر في عهد الرئيس المعزول، وبإشراف التنظيم العالمي للإخوان، يأتي متسقاً مع الشروط الموضوعية لانبثاق الدساتير في العالم، من حيث أنه ضع العربة خلف الحصان، وليس عكس ذلك .
والواقع أن الفارق جوهري وواسع بين الدستورين: دستور 2012 والدستور المرتقب الاستفتاء عليه الشهر القادم، إن من حيث المضمون أو طريقة الإخراج . فالأول صدر بعد انتخابات البرلمان والشورى، وإنجاز الانتخابات الرئاسية . وصاغت مسودته لجنة تأسيسية شكلها البرلمان، وأقرت من قبله، بعد تعديلات أجريت عليها من قبل المجلس . وطرحت المسودة بصيغتها الأخيرة، للاستفتاء عليها، ونالت موافقة الأغلبية .
وليس من شك أن تلك النصوص جاءت متسقة، في روحها مع إرادة جماعة الإخوان المسلمين، التي تمكنت من إحكام سيطرتها على المفاصل الثلاثة للدولة: التشريعية والتنفيذية والرئاسية . وكان ذلك أول خلل دستوري . إذ كيف يكون الدستور فوق كل القوانين، وممثلاً لمختلف شرائح المجتمع، ويكون في نفس الوقت تعبيراً عن روح جماعة، لا تؤمن بالأساس بالدولة المدنية، ولا بالقيم الليبرالية .
لقد انتخب البرلمان المصري السابق، في ظل تحريف سياسي وفراغ دستوري، فكان أن لجأ أقطاب المرحلة الانتقالية للعمل وفقاً لدستور سابق، ثار عليه الشعب المصري، في 25 يناير . وهذا الفراغ هو من العوامل التي مكنت الإخوان المسلمين، من اختطاف الثورة، ومنحتهم فرصاً لحرفها عن مسارها الصحيح .
الدستور الجديد، جاء بعد حركة احتجاجية عمت المدن المصرية، احتجاجاً على محاولات الجماعة، أخونة الدولة والمجتمع، وبلغت قمتها بخروج ما قدر بثلاثين مليون مواطن مصري إلى الشوارع والميادين، للمطالبة بعزل الرئيس مرسي عن الحكم، وإنهاء سلطة الإخوان على أرض الكنانة . وتلك الوثبة هي المعبرّ الحقيقي عن روح الدستور المرتقب، وهي المحرّض على بروز خارطة الطريق التي أعلن عنها بعد عزل مرسي مباشرة، وجاءت معبرة في تشكيلها وروحها عن توافق كل المصريين، ووضعهم ركائز المستقبل لمصر الجديدة . فخارطة الطريق، مثلت إرادة الأزهر الشريف والكنيسة القبطية، ومختلف التوجهات السياسية والاجتماعية، التي حضرت مرة أخرى، بلجنة الخمسين، التي أنيط بها مهمة صياغة دستور جديد للبلاد . وقد اختارت عشرة أشخاص من الفقهاء، لصياغة مسودة الدستور الجديد .
لم يلب دستور مرسي، تطلعات كل المصريين، لأنه جاء متسقاً مع نوايا جماعة سياسية اختطفت الثورة، وفرضت خياراتها وانتماءاتها العقدية على المجتمع، مع أن الدستور عقد اجتماعي، يتحقق بالتوافق والتراضي، بين قاع المجتمع وسفوحه . أما الدستور المتوقع الاستفتاء عليه في منتصف الشهر المقبل، فهو ثمرة توافق وطني . أكد هوية المجتمع الإسلامية، والحقوق والحريات العامة، وحمل الدولة
التزامات في إطار مبدأ الندية والتكافؤ والمساواة، والفصل بين السلطات .
كلمة أخيرة ينبغي التنبه لها، هي أن من يحمي الحريات ويحقق الفصل في السلطات الثلاث ليست النصوص الجامدة وحدها فقط، مع إدراك ووعي أهمية هذه النصوص . لقد جرت تحولات بعدد من البلدان العربية . حيث صدرت أوامر عليا بالتحول نحو الديمقراطية، وبرزت دساتير معززة التوجهات الجديدة، لكنها لم تصمد طويلاً، لأنها لم تكن متجانسة مع ثقافة المجتمع، ولم تكن متماهية مع طبيعة التطور التاريخي لتلك المجتمعات . الدستور لكي يستمر، بحاجة إلى ثقافة تسنده، وترسخ حضوره . واستمراره رهن لتحول نصوصه إلى أعراف وتقاليد . وما لم يتحقق ذلك فسوف تبقى التجربة الديمقراطية عرضة دائماً للانتكاس والانهيار .
المؤمل أن يكون الدستور القادم نقلة نوعية في ترسيخ قيم الحرية والانتقال نحو الديمقراطية . وشرط تحقيق ذلك هو ثقافة جديدة، ثقافة تحول الدستور، من نصوص مكتوبة إلى أعراف وتقاليد، تعلي من قيم الحرية والكرامة الإنسانية، لصالح بناء التنمية المستدامة والمستقبل الزّاهر .
نقلا عن صحيفة الخليج