محمد فاضل العبيدلي يكتب : السخرية متخطية الامتياز المصري

جولة عربية

الأحد, 29 ديسمبر 2013 14:04
محمد فاضل العبيدلي يكتب : السخرية متخطية الامتياز المصري

لطالما كانت السخرية امتيازاً للمصريين، وبإمكاننا تقليب مفردة "الامتياز" هذه على أكثر من وجه، لكن أحداً لن يجادل في أنها تكاد أن تكون خاصية وراثية في المصريين، وعلى وجه أكثر فعالية، هي "سلاحهم السري في كل العصور".

وإذ أبدي إصراراً على اعتبار السخرية سلاح المصريين السري في كل العصور، فإن هذا مرده سبب وجيه هو أن انتشار السخرية وتخطيها حدود الامتياز المصري (جغرافياً) بات أمراً يستدعي بواعث القلق بقدر ما ينتزعه الظرفاء العرب في أكثر من بلد من الضحكات منا.
لكن انتشار السخرية وظهور النكات التي سأسميها (بغرض النقاش) "نكات عامة" تستقي موضوعاتها من فضاء السياسة تحديداً، ترافقت دوماً بأوضاع سياسية بالغة السوء في الغالب، والعبرة واضحة: كلما تردت الأوضاع وبدا الأفق مسدوداً ويأس الناس من حلول قريبة، ازدهرت السخرية. في السنوات الأولى للحرب الأهلية اللبنانية، كانت أخبار الفظاعات هي المتداولة..
لكن ما أن حلت الثمانينات إلا وأصبحت مخيلة اللبنانيين تفرخ من النكات ما سيمثل ظاهرة. وفي النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي مع وصول تلك الحرب ذروتها، أنتجت المخيلة الشعبية اللبنانية من النكات كماً لا يقدم سوى رسالة ضمنية واحدة: "حالة يأس". أما المخيلة الشعبية العراقية، فقد بدأت إنتاج النكات منذ أن استطالت الحرب مع إيران وكانت تنهل من بعض تفاصيل الحرب نفسها.
لكن فيما بعد، سيشهد معدل إنتاج النكات وجرعة السخرية فيها قفزة كبرى في سنوات الحصار الذي فرض على العراق غداة غزوه للكويت. لعل واحدة منها تختزل مدلولات تلك المرحلة هي تلك التي تحكي عن أرمل عراقي عجوز كان يعيش مع دجاجة وحيدة بعد أن مات من مات من الأبناء وهاجر من هاجر منهم. وعندما قرر الالتحاق بأحد أبنائه في المهجر، أخذ متاعه القليل واصطحب الدجاجة السمينة معه، وعند حواجز التفتيش كان الجنود يسألونه عن دجاجته السمينة.
في الحاجز الأول قال إنه يطعمها قمحاً فاستكثروا عليه ذلك فيما الشعب جائع يئن تحت وطأة الحصار فنال نصيبه من الضرب. وفي الحاجز الثاني قال إنه يطعمها شعيراً فنال نصيبه من الضرب أيضاً وفي الثالث أجاب أنه يتشارك معها الخبز الذي يأكله فلم ينجو من الضرب..
وفي آخر حاجز على الحدود أجاب العجوز: "سيدي آني انطيها 100 فلس وهي تتصرف". وما أن سقطت بغداد في أبريل 2003، تصاعد

الحس الساخر للعراقيين بشكل متوازٍ مع كل تطورات حياة يومية بات الموت وأحاديث الرشى والفساد حقيقة أساسية من حقائقها. تخيلوا هذا معي: ما أن يدوي انفجار في بغداد، أسارع إلى الاطمئنان على أصدقاء عراقيين عبر موقع "فيسبوك"، وما أن أتلقى رسائل التطمين إلا وتطالعني أربع نكات جديدة على الأقل من ظرفاء عراقيين على الموقع نفسه. العبرة هنا:
القتل والنكات وكلاهما من صنع الناس، يسيران في خطين متلازمين. وكانت التسعينات سنوات دامية في الجزائر، لكنني في العام 1997 استمعت إلى كمٍ من النكات من ألسن الجزائريين ما جعلني أتساءل: أي سياق هذا الذي يمكن أن يضم أخبار مذابح الأرياف مع هذا الحس الموغل في السخرية؟ وقبل ذلك العام، وغداة دخول الراحل ياسر عرفات الأراضي الفلسطينية في 1994 بعد اتفاق أوسلو، أنتج الفلسطينيون من النكات مما يكفي لنوبة من الضحك تمتد يوماً كاملاً على النقيض مما تقترحه تلك اللحظة.
أكثر ما أقلقني وقتها هو تعليق أساتذة علم اجتماع فلسطينيين أن هذا الحس الساخر يرسل إشارات قلق ولا يدعو للبهجة. وفيما كان الوضع الفلسطيني يسير نحو التردي وصولاً إلى حرب أهلية وانقسام يتكرس يوماً بعد يوم، تلازم هذا مع تطور آخر: كوميديا متنامية باتت تنتشر في أوساط الفلسطينيين لا في فضاء الإنترنت فحسب، بل على المسارح وصفحات إبداعية على الإنترنت ورسوم كاريكاتير، ولمشهد أكثر توازناً: ازدهار في السينما الفلسطينية خلب ألباب العالم أيضاً.
لكن لموجة السخرية مسار آخر بدأ يتشكل مع انتشار فتاوى الفضائيات وما تتسم به من خفة أحياناً تتنافى والحس الإنساني والتفكير العقلاني، حيث يطالعنا هذا المسار من حين لآخر بنكات على شكل فتاوى. المقلق أنها تثير جدلاً كما لو أنها حقيقية وليست هذراً من شخص ساخر، فهل يكون المدلول وراء سخرية من هذا النوع نوعاً من اليأس أيضاً؟
ليس مطلوباً أن ندعو الناس لشد أقنعة الجدية على وجوهها، بل إنني ممن يرون الكوميديا ضرورية ووسيلة فعّالة وغير مكلفة للتواصل الإنساني. وموجة السخرية هذه تحمل دوافع شتى بعضها قد لا يكون مقلقاً بالضرورة، لكن تلازمها مع أوضاع متردية هو ما يجعلها مقلقة لأن دوافعها غير طبيعية. بإمكاننا أن نضيف داعياً آخر للقلق يبدو من نافلة القول لدى البعض: إنها امتياز حصري للشباب.
نقلا عن صحيفة البيان الاماراتية