رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد الصياد يكتب : إشكالية معوقات الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية

جولة عربية

الجمعة, 20 ديسمبر 2013 16:26
محمد الصياد يكتب : إشكالية معوقات الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية محمد الصياد

تفرض الفوضى الهدامة المندلعة اليوم في غير بقعة عربية على خلفية موجات "الربيع العربي" على النخب إعادة طرح إشكالية مدى توفر الظروف الموضوعية والذاتية،

أي الأرض الخصبة لزراعة الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية، تأسيساً على المنحى الدموي والهمجي الذي اتخذه التناحر الطائفي والمذهبي والقبلي والجهوي المندلع والمتصاعد حدةً وجنوناً على نحو خاص في البلدان التي أطيحت أنظمتها الحاكمة .
وقد استدللنا في مقال الأسبوع قبل الماضي على ما كان قد شخصه المؤرخ وعالم الاجتماع التونسي عبدالرحمن بن خلدون في مؤَلفه "مقدمة ابن خلدون" الصادر في عام ،1377 ومؤداه ما نصه: "إنهم أصعب الأمم انقياداً لبعضهم بعضاً، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم" (الفصل السابع والعشرون، ص،151 مقدمة ابن خلدون) .
ما من شك في أننا كمجتمعات عربية قد عبرنا مرحلة تاريخية طويلة كانت حافلة، في تدرجها وطفراتها، بنفحات أحياناً وصدمات حضارية أحياناً أخرى، (بسبب سعة المجال التطوري وسرعة وتيرته)، انتقلنا خلالها وما بعدها من مرحلة مجتمع البداوة والمجتمع الزراعي والريفي الذي كانت تأتلفه أساليب وعلاقات الإنتاج البسيطة النابعة إما من شكل الاقتصاد الطبيعي السائد قبل تبلور الأسواق والأشكال الجنينية للحواضر، وإما من شكل اقتصادات القنانة التي اعتُبرت تشكيلة اقتصادية اجتماعية متقدمة على أسلوب الإنتاج السابق لها، انتقلنا إلى مرحلة الحياة

المدنية المعاصرة التي يعود الفضل في تشكلها وتعميمها وانتشارها عالمياً، إلى انتصار أسلوب الإنتاج الرأسمالي على أسلوب الإنتاج الإقطاعي الكابح لتطور وازدهار مجتمعات ما قبل الصناعة وما قبل المانيفاكتورة (الأشكال الجنينية للصناعة) .
وكان الاعتقاد أن هذا الانتقال النوعي من الطور التطوري الصحراوي والزراعي الأول إلى الأطوار التقدمية المتواترة: الحضري والتمديني والحداثي، قد رسخ عمران الأنسنة وقيم التعايش والتآلف والتسامح الحضارية الكونية المعاصرة في وجدان المجتمعات الحضرية العربية المعاصرة، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في نسبة قاطني المدن على حساب قاطني الأرياف والمناطق الصحراوية النائية عن المراكز الحضرية .
بيد أن هذا الاعتقاد سرعان ما اتضح أنه بلا أساس يسنده بقدر قوة إسناد منطق عبدالرحمن ابن خلدون التحقيقي والتدقيقي في دراسته للمكون الثقافي والنفسي الغائر في مكنونات الشخصية العربية، والذي (منطق ابن خلدون) تبين انه لا يزال ساري المفعول حتى بعد مرور زهاء ستة قرون على رحيله، وترتيباً، على خضوع المجتمعات العربية لتحولات هائلة طاولت كافة مناحي حياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية الكلية، كانت كافية لنقلها - أو هكذا يُفترض - من تشكيلة اقتصادية اجتماعية بدائية
إلى تشكيلة اقتصادية واجتماعية - رأسمالية الجوهر - معاصرة .
والنتيجة التي جنيناها كما هي بائنة اليوم حصاد علقم متمثل في شارع منفلت العقال يصعب على أي معارضة، مهما كانت سعة قاعدة جمهورها ومهما كانت حاذقة، الإمساك بلجامه وتغليب الشطر المتعقلن والرشيد منه على حساب الشطر الأكثر تجاسراً واندفاعاً، النازع نزوعاً عصبوياً وشعبوياً عدمياً . بل على العكس من ذلك، إذ نرى تلك المعارضات وهي تهرع، اختياراً أكثر منه اضطراراً، لمسايرة ذلكم الشارع المنفلت وتزلفه كسباً لرضاه . وهو ما ترجم نفسه على الأرض في صورة أهوال الفوضى العميمة التي نشهد وأعمال القتل البشع واستباحة أرواح وأعراض وممتلكات الناس الأبرياء، التي كُشف عنها النقاب والتي لم يُكشف، التي جرت والتي تجري أحداثها على امتداد رقعة واسعة من وطننا العربي، أنما جاءت - حسبما هو بائن - لتُزكي الرؤية الثاقبة لابن خلدون .
في المحصلة، سنجد أن ثلاث سنوات ونيف من تقلبات الدهر كانت كافية لتكشف لنا مدى هشاشة خزين بُنانا الفكرية والمعرفية وأنساق قيمنا الإيجابية أمام أول اجتياح سافر "لمواقعها" - غير الحصينة كما تبين - من جانب تشكيلات فكر العهد القديم المطمور في اللاوعي الجمعي لجماعتنا البشرية .
إنه لتطور مدهش ومحير، يستأهل النقاش العام والمسؤول، من جانب كل المفكرين العقلاء، في إشكالياته الخطرة المرتبطة بمصائر أوطاننا وبمواقعها بين مصاف الأمم وحضاراتها المعاصرة . نقاش يتناول بعمق الوسائل والوسائط المثلى والممكنة لكيفية "توطين وتعريب التقنية الديمقراطية" في أوطاننا العربية النابذة فعلياً، برسم الحقائق على الأرض، للمقاربة الديمقراطية باعتبارها وسيلة سلمية تحوطية لتأمين الاستدامة في كل ما يتصل بمفردة الاستقرار المجتمعي الشامل .