رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمود الريماوي يكتب : مصر ما قبل وضع الدستور وما بعده

جولة عربية

الثلاثاء, 17 ديسمبر 2013 15:15
محمود الريماوي يكتب : مصر ما قبل وضع الدستور وما بعدهمحمود الريماوي

بتحديد موعد لإجراء الاستفتاء على مشروع الدستور في مصر يومي 14 و15 يناير/كانون الثاني المقبل، فإن مرحلة سياسية جديدة تؤذن بالبدء في أرض الكنانة، بصرف النظر عن اعتراض معترضين على مشروع الدستور أو الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء .

ذلك أن اللجنة الموسعة التي تولّت إعداد الدستور شهدت تمثيلاً واسعاً للقوى السياسية والاجتماعية ما لم يتوفر في لجنة مماثلة سابقة . وخاضت نقاشاتها في أجواء علنية وسجلت اعتراض معترضين، ما أمكن من تعديل بعض المواد، فيما حافظ البعض على اعتراضاتهم حتى بعد إقرار بعض المواد وهذا أمر مفهوم، وهو حق لهم، غير أن المحتوى العام للمشروع لقي قبولاً وتوافقاً لدى الأعضاء الخمسين
للجنة رغم ما بينهم من تباينات، مقارنة بمشروع دستور
2012 الذي شهد انسحاب ممثلين لقوى اجتماعية سياسية عديدة .
للبعض بعدئذ اعتراضات وجيهة تذهب إلى طبيعة الاستفتاء على مجمل مشروع الدستور وليس على مواده متفرقة، غير أن هذا هو الحال مع الاستفتاءات العامة، التي تختلف بطبيعة الحال عن الاستطلاعات التي تتناول أموراً مفصلة يتم فيها الإجابة عن كل بند . فضلاً عن اعتراضات ترى في المشروع انتقاصاً من مفهوم الدولة المدنية، ويمنح امتيارات للمؤسسة العسكرية تجعلها فوق الدولة، وتشريعاً يجيز محاكمة مدنيين أمام محاكم غير مدنية .وهذه تحفظات ذات شأن، ومعظمها يصدر عن قوى ديمقراطية مستقلة، بعيدة أيديولوجياً وسياسياً عن تيار الإسلام السياسي ممثلاً على الخصوص بجماعة الإخوان .
من حق ممثلي هذه القوى أن يعبروا عن آرائهم، وهم يفعلون ذلك في منابر علنية . ومن حقهم بعدئذ تشكيل تيارات سياسية وحزبية تحمل قناعاتهم بغير تضييق عليهم أو كيل الاتهامات لهم، ما دام أن

الاسترشاد يتم ليس فقط بمبادىء ثورة يناير 2011 ، بل بالدساتير القائمة في دول ديمقراطية، وكذلك الدساتير التي تمت صياغتها في تلك الدول التي ثارت على أنظمة تسلطية مثل أنظمة أوروبا الشرقية قبل نحو عقدين من الزمن .
على أن مؤيدي مشروع الدستور من داخل لجنة الخمسين وخارجها، يحاججون بأن الظرف الانتقالي الذي تعيشه البلاد أملى التوصل إلى ما تم التوصل إليه، وفي قناعة هؤلاء أن الظرف القائم منذ زهاء عامين لا يتمثل فقط بالخروج الذي تحقق على نظام تسلطي، بل كذلك بأهمية مواجهة أخطار العنف السياسي، والعبث بالوحدة الوطنية، وتسخير الدولة لحزب من الأحزاب بما قد يزج البلاد والعباد في نزاع أهلي مديد، وأنه لم يكن هناك من بديل لهذا المشروع غير الفراغ الدستوري وتمديد المرحلة المؤقتة إلى ما لا نهاية .
في واقع الحال أن مصر المشهود لها بالحيوية الفكرية والثقافية والإعلامية، تشهد حالة مفتوحة من السجال حول مشروع الدستور وما بعده، كذلك ما زالت تعرف قدراً من التوتر الأمني والاحتقان السياسي، وعلى أهمية الدستور (أب القوانين) كركن ركين من البناء القانوني للدولة، وكعقد اجتماعي وسياسي يجمع الدولة بمواطنيها، إلا أن وضع هذا المشروع وإقراره (في حال تمّ اقراره . . وهو أمر متوقع على كل حال، وذلك لتوق المصريين العارم للخروج من الحالة الاستثنائية، وعودة الحياة الطبيعية إلى مجراها) لن يشكل نهاية المطاف، فالنص الدستوري ليس
مقدساً بل هو قابل للتعديل والمراجعة لدى ممثلي الشعب بعد أن يتم انتخابهم كما تقضي بذلك خريطة الطريق . ومن حق المعترضين أن يخوضوا الانتخابات البرلمانية، أو يصعّدوا من هو جدير بتمثيلهم وتبني اعتراضاتهم على الدستور وعلى اي شيء آخر يستحق الاعتراض عليه .
للمصريين في نهاية الأمر أن يتوافقوا فيما بينهم على تخيّر الأفضل من صيغ حياتهم السياسية والعامة، بعيداً عن أي ترهيب أو إقصاء لكل من ينبذ العنف . وإلى أن يتم ذلك وفق جدولة خريطة الطريق، فمن المهم في هذه الأثناء أن ترتفع الأصوات الداعية إلى إرساء الوحدة الوطنية، في الممارسات كما في خطابات وسلوك الأحزاب ووسائل الإعلام . فليس من الحكمة أن يُضار أحد لقناعات يحملها أو لسلوكه نمط حياة معيناً، أو إذا ما أبدى أحد اعتراضاً ما على وجه أو أكثر من وجوه الحياة العامة الجارية، ما دام أن ذلك كله لا يقترن بالعنف أو التحريض عليه أو تسويغه . لقد كان مما يؤخذ على عهد محمد مرسي تقسيمه المواطنين إلى "أبناء عشيرتي" ومن هم ليسوا من أبناء العشيرة، وصولاً إلى تصنيف المواطنين أو حتى تقسيمهم على أساس ديني . من المهم تفادي الانزلاق بوعي أو من دون وعي إلى تكرار مثل هذا الخطأ الجسيم، وإعادة تقسيم المواطنين بين مع وضد .
وفي الإطار ذاته لا بد من التمييز بين من يدعون إلى العنف أو يحرضون عليه أو يسوغونه، فهؤلاء يشملهم حكم القانون في المحاسبة والمساءلة، وبين من يمارسون الحق في التعبير عن الرأي، سواء كان مخالفاً أو منسجماً مع رياح الوضع العام، فلا فئة المخالفين هي في حكم الخصومة بالضرورة، ولا المنسجمين هم بمنزلة أبواق للوضع الجديد بالضرورة ايضاً .
غاية القول إن هناك حاجة موضوعية للتخفيف من الاحتقان، وإحياء قيم المواطنة والوحدة الوطنية، وتكريس الحق في التنوع والتعددية عملاً وفعلاً، وكل ذلك يخدم مندرجات خريطة الطريق بما فيها مشروع الدستور والاستفتاء عليه، ويُبعد شبح التنازع المفتوح، ويضمن حقوق السلامة والكرامة للجميع، كما يكفل للدولة منعتها .
نقلا  عن صحيفة الخليج