رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عبدالحسين شعبان يكتب : التغيير: الشرعية ونقيضها

جولة عربية

الأربعاء, 27 نوفمبر 2013 15:38
عبدالحسين شعبان يكتب : التغيير: الشرعية ونقيضهاعبدالحسين شعبان

حينما انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاج الشعبي العربي الواسع من سيدي بوزيد في تونس يوم أحرق محمد بو عزيزي نفسه،

كان الحلم العربي بالتغيير بعيد المنال، لكنه سرعان ما أطلّ برأسه وسط زحام في مشهد متناقض ومضطرب، فانتقلت الشرارة بين الأحياء والقصبات والمدن، وربما كانت أقرب إلى نهاية مسرحية دام أمدها، فما أن وصل الممثلون الجدد حتى غاب عن المسرح لاعبوه القدامى على نحو خاطف .
هكذا انهارت أنظمة بدت منيعة ومحصّنة من الخارج، لكن هزالها وضعفها، بل خورها كان شديداً من الداخل، فتهاوت سريعاً، وحتى بعد أن أظهر بعضها ممانعة، فلم يكن الأمر سوى توريط البلاد في حرب محسومة النتائج سلفاً، كان ثمنها باهظاً، لاسيّما على التطور السياسي والأمني لاحقاً، ناهيكم عن جوانبها الإنسانية الشديدة الحساسية، وللأسف لو قرأ بعض الحكّام التاريخ لكانت شعوب المنطقة في غنًى عن الذي حصل، لكنهم لم يقرأوا الحاضر أيضاً، فقد انفصلوا عن شعوبهم لعقود من الزمان وعاشوا في عزلة وانعزال، وتسلط ووهم .
وأياً كانت التغييرات وضروراتها فقد تركت نوعاً من الفوضى والاضطراب، الذي يصاحب كل عملية تغيير كبيرة، خصوصاً بانهيار "شرعية" قائمة مدعومة بأجهزة أمنية وبيروقراطية حكومية ومرجعيات قانونية، وجماعات ومصالح لاستبدال شرعية أخرى جديدة بها، لم تكتمل بعد ولم يتم التوافق الوطني بشأنها، لاسيّما بعد انهيار الأنظمة وما تركته من تأثيرات سلبية في الدولة والمجتمع تحتاج إلى زمن ليس بالقصير لتجاوزها، وإلى فترة انتقالية ضرورية لبناء الشرعية الجديدة .
لقد شهد العالم العربي بعد التغييرات التي حصلت في مطلع عام 2011 حراكاً ثورياً وديناميات جديدة لعب فيها الشباب دوراً أساسياً وحاسماً، ولم تكن تلك دون مخاضات قاسية وعسيرة وانفلاتات أمنية وانقسامات مجتمعية وتجاوزات على حكم القانون وهدر للمال العام وأعمال عنف وفساد ورشوة وغيرها، لكن الأمر المؤكد أن الماضي أصبح ماضياً، ولا بدّ من متابعة أهداف حركات التغيير العربية، المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وذلك

عبر شرعية جديدة يفترض فيها أن تكون نقيضاً للشرعية القديمة، وذلك باعتمادها على حكم القانون وفصل السلطات والتحوّل الديمقراطي، وإقرار مبادئ المواطنة المتساوية والمجتمع المتعدد والمتنوّع واعتماد آليات لاختيار الشعب لممثليه على نحو دوري .
وإذا كان ذلك يقوم على فرضيات، فإن واقع العالم العربي يواجه اليوم تحديات كبرى، منها ممانعات واعتراضات بقايا الأنظمة القديمة، ويقابلها رغبة وإصرار من جانب القوى الجديدة على التغيير، وإن كانت هذه القوى قد انقسمت وجرت صراعات بينها، لكن المشهد بعموميته يقوم على ماض لم يمضِ، وحاضر لم يتبلور . وإذا كانت القوى الكابحة أكثر تماسكاً وانسجاماً، فإن قوى التغيير بدت أكثر اختلافاً وتنافراً، الأمر الذي وضع الشرعية الجديدة على كف عفريت، خصوصاً في ظل تحالفات قديمة- جديدة .
هكذا واجهت حركة التغيير عقبات وعراقيل بعضها يعود إلى تركة الماضي وبعضها من صنع الحاضر، أهمها الفساد والعنف والبيروقراطية والانقسام الديني والطائفي، وهو ما عرفته تونس ومصر وليبيا واليمن بعد التغيير، وما تشهده سوريا منذ انطلاقة حركتها في 15 مارس/آذار 2011 وحتى اليوم، لدرجة يكاد يطغى على خريطة التغيير برمتها، خصوصاً بفعل شمولية العنف وأدواته وتدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية، وحجم التدخل الخارجي والانقسام المجتمعي، وقد أخذ كثيرون يفاضلون بين تدمير الدولة وانفلات الفوضى، وبين أهون الشرّين، سواء كان الأمر مجازاً أو واقعاً، لكن ثقل الأحداث وتسارعها وضبابية الصورة تجعل ما هو راهن مدعاة للقلق والتأمل .
إذا كانت شرعية الحاضر لم تتأسس بعد حتى وإن بدت خطواتها الأولى بإزاحة القديم، لكن القديم يسعى ومعه حلف جديد لوقف استكمال الشرعية الجديدة، سواء بوضع العقبات أمامها أو بتخريبها، وحتى لو كانت مسألة
إعادة القديم إلى قدمه مستحيلة، لكن عمليات العزل والتهميش والمساءلات، خصوصاً إذا كانت واسعة، فإنها تجمع حولها من داخل مؤسسات الدولة من يستطيع أن يؤثر سلباً في مسارها .
من أول الأسئلة التي واجهت حركات التغيير هو علاقة الدولة بالمجتمع، بعد تدمير شبه منهجي للمجتمع طيلة عقود من الزمان، ليس لحساب قوة الدولة، بل لحساب قوة السلطة، ولكن ما بعد التغيير وانهيار السلطات الحاكمة بدأت عمليات تفكيك للدول، بعد أن تفكك المجتمع، لدرجة أن ليبيا أخذت تتحدث عن ثلاث مقاطعات وكأنها دول، وتونس اتسع الكلام عن التمييز بين الساحل والعمق، ومصر بين المسلمين والأقباط، وفي اليمن برزت ظاهرة الحوثيين وأعيدت نزعة الحراك الجنوبي، والرغبة في إعادة القديم وغيره، وفي سوريا استعيدت كل الترسانة الإثنية والدينية والطائفية والمذهبية والمناطقية على نحو شديد .
وإذا كان من الضروري إعادة مؤسسات الدولة أولاً وتعزيز هيبتها بعد انهيار السلطة ومحاولات تفكيك الدولة، فلا بدّ كذلك من إعادة لحمة المجتمع والعمل على بناء مؤسساته مقابل مؤسسات الدولة، خصوصاً بانتهاء الواحدية والإطلاقية وادعاء الأفضليات وزعم امتلاك الحقيقة، وظهور التعددية والتنوّع واختلاف الآيديولوجيات والأديان والبرامج، وكل ذلك يمكن استيعابه في إطار جمعيات ومنظمات ونقابات وإعلام حر لمجتمع مدني منتفح مدعوماً بتقنيات للتحول الديمقراطي، وآليات انتقالية جديدة وغير مألوفة في السابق، وهو ما سيخلق صعوبات جديدة وصراعات لا بدّ منها، ولكن لو توافرت إرادة سياسية توافقية، فإن بإمكانها وضع البرنامج الانتقالي للتوافق الوطني موضع التطبيق وإن كان بمنافسات سياسية مشروعة .
ما هو مطروح أمام حركات التغيير، هو بناء عقد اجتماعي جديد بعد تمزق العقد القديم وصياغة دساتير جديدة، والسعي للمواءمة بين التيارات المختلفة، خصوصاً إزاء فلسفة الدولة والحكم، بين الدين والدولة المدنية وتحديد المرحلة الانتقالية، لاختيار الشعب لممثليه وتأكيد دور المجتمع المدني، وبناء مؤسسات الدولة وتحديد أولوياتها للتنمية، من خلال استعادة الأمن مع الكرامة والحرية مع الأمن، وفي ظل حكم القانون، مع تحديد الحاجات الأولية للمجتمع من خدمات تعليمية وصحية وتوفير فرص عمل لتقليص حجم البطالة على أمل القضاء عليها، والتوجه لمعالجة آثار الماضي، وخصوصاً التعامل مع تركته ومع الانتهاكات السابقة وقضايا الفساد وتبديد المال العام .
ومثلما لمجتمعاتنا خصوصياتها، فإن هناك قوانين عامة لعملية التغيير، ولاسيّما للمرحلة الانتقالية، يمكن الاستفادة منها ودراستها واستيعابها دون تقليدها أو استنساخها مثلما هي دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وبعض دول آسيا وإفريقيا .
نقلا عن صحيفة الخليج